أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قضية القس الأمريكي أندرو برونسون إلى واجهة النقاش السياسي خلال تصريحاته على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، مؤكداً أنه تمكن من إقناع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالإفراج عنه عبر اتصال هاتفي، من دون أن تقدم الولايات المتحدة أي مقابل لأنقرة.
غير أن هذه التصريحات تزامنت مع معطيات قانونية تؤكد أن القضية لم تُطوَ نهائياً داخل النظام القضائي التركي، إذ لا يزال ملف برونسون معروضاً أمام أعلى هيئة استئناف في البلاد، في مفارقة تعيد الجدل حول استقلال القضاء التركي وحدود تأثير السلطة السياسية في القضايا الحساسة.
ترامب: اتصلت بأردوغان فأُطلق سراح برونسون فوراً
في مؤتمر صحفي عقب اجتماعات قمة الناتو في أنقرة، استعاد ترامب واحدة من أبرز الأزمات التي شهدتها العلاقات التركية الأمريكية خلال ولايته الأولى، قائلاً إنه تواصل هاتفياً مع الرئيس أردوغان، وبعد الاتصال مباشرة أُطلق سراح القس الأمريكي أندرو برونسون.
ووصف ترامب برونسون بأنه “بطل إنجيلي”، معتبراً أن نجاحه في الإفراج عنه كان أحد أبرز إنجازاته الدبلوماسية مع تركيا، مشيراً إلى أن واشنطن لم تقدم أي تنازل أو مقابل سياسي لقاء ذلك.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه قضية برونسون تُستخدم مثالاً في النقاشات المتعلقة باستقلال القضاء التركي، خاصة مع تكرار اتهامات المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان بأن القرارات القضائية في القضايا السياسية تخضع لتأثير السلطة التنفيذية.
من هو أندرو برونسون؟
أندرو برونسون قس أمريكي من ولاية كارولاينا الشمالية، عاش مع زوجته في تركيا منذ عام 1993، وكان يتولى رعاية كنيسة “القيامة” بمدينة إزمير.
أوقفته السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016، ووجهت إليه اتهامات بمساعدة حركة الخدمة، المستلهمة من أفكار الراحل فتح الله كولن، إضافة إلى تقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف تنظيماً إرهابياً في تركيا.
ونفى برونسون جميع الاتهامات، مؤكداً أن نشاطه اقتصر على العمل الديني والتبشيري، ولم يكن له أي نشاط سياسي أو أمني.
خلفية الاتهامات المرتبطة بحركة الخدمة
كانت الحكومة التركية قد صنفت حركة الخدمة تنظيماً إرهابياً في مايو/أيار 2016، قبل أشهر من محاولة الانقلاب، وحمّلتها لاحقاً مسؤولية تدبير المحاولة الانقلابية.
في المقابل، لا تعترف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم المؤسسات الدولية بهذا التصنيف، كما نفى فتح الله كولن، الذي توفي عام 2024، وأتباعه بشكل متكرر أي صلة لهم بمحاولة الانقلاب.
الحكم القضائي والإفراج… لكن القضية لم تنتهِ
في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2018 أصدرت المحكمة الجنائية الثانية في إزمير حكماً بإدانة برونسون بتهمة “مساعدة منظمة إرهابية دون الانتماء إليها”، وقضت بسجنه أكثر من ثلاث سنوات.
في المقابل، برأته المحكمة من تهمة التجسس، كما قررت في اليوم نفسه رفع الإقامة الجبرية وحظر السفر المفروضين عليه، الأمر الذي سمح له بمغادرة تركيا مباشرة بعد احتساب مدة توقيفه السابقة ضمن العقوبة.
ورغم مغادرته البلاد، لم تتوقف الإجراءات القضائية.
فقد تقدم كل من هيئة الدفاع والنيابة العامة بطعون على الحكم، وفي التاسع من يناير/كانون الثاني 2020 صادقت محكمة الاستئناف الإقليمية في إزمير على القرار، قبل إحالة الملف إلى محكمة التمييز التركية.
ووفق ما أوردته النسخة التركية من “دويتشه فيله”، لا يزال الملف حتى اليوم أمام الدائرة الجنائية الثالثة في محكمة التمييز، التي لم تصدر حكماً نهائياً بعد، ما يعني أن القضية لا تزال مفتوحة قانونياً رغم انتهاء الأزمة السياسية وخروج برونسون من تركيا منذ سنوات.
كما لجأ برونسون إلى المحكمة الدستورية التركية، إلا أنها رفضت جزءاً من طلبه لأسباب إجرائية مرتبطة بانتهاء المهلة القانونية، واعتبرت اعتراضاته المتعلقة بالإقامة الجبرية ومنع السفر غير مقبولة.
أزمة دبلوماسية هزت العلاقات التركية الأمريكية
تحولت قضية برونسون بين عامي 2018 و2019 إلى واحدة من أكثر ملفات الخلاف حدة بين أنقرة وواشنطن.
فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على وزير العدل التركي آنذاك عبد الحميد غُل ووزير الداخلية سليمان صويلو، متهمة إياهما بالمسؤولية عن استمرار احتجاز القس الأمريكي.
كما رفعت واشنطن الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم التركية، وهو ما زاد من الضغوط التي كانت تتعرض لها الليرة التركية، لتدخل البلاد واحدة من أسوأ أزماتها النقدية خلال السنوات الأخيرة.
وفي تلك المرحلة رفضت المحاكم التركية طلبات الإفراج عن برونسون، بينما صعّد ترامب لهجته مهدداً بفرض عقوبات إضافية، الأمر الذي جعل القضية تتحول إلى أزمة سياسية واقتصادية واسعة بين البلدين.
وكان الرئيس أردوغان قد اقترح في عام 2017 مبادلة برونسون بفتح الله كولن، إلا أن الولايات المتحدة رفضت تسليم الأخير.
وبعد الإفراج عن برونسون في أكتوبر/تشرين الأول 2018 عاد إلى الولايات المتحدة، حيث استقبله ترامب في البيت الأبيض، في مشهد اعتُبر حينها إعلاناً لنهاية الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، رغم استمرار القضية قضائياً داخل تركيا.
تصريحات ترامب تشعل سجالاً جديداً حول استقلال القضاء التركي
أعادت تصريحات ترامب الأخيرة النقاش الداخلي في تركيا حول استقلال القضاء، بعدما استخدمها المقرر الدائم للبرلمان الأوروبي بشأن تركيا، ناتشو سانشيز أمور، للرد على وزير العدل التركي أكين غورلك.
وكان أمور قد انتقد تزامن مثول رئيس بلدية إسطنبول المعتقل والمرشح الرئاسي المعارض أكرم إمام أوغلو أمام القضاء في ثلاث قضايا مختلفة خلال اليوم نفسه، بالتزامن مع انعقاد قمة الناتو في أنقرة.
واعتبر المسؤول الأوروبي أن هذا التزامن لا يمكن تفسيره في إطار قضاء مستقل، مؤكداً أن احتمالية حدوث مثل هذا الأمر في نظام قضائي مستقل تكاد تكون معدومة.
وأوضح أن وفد البرلمان الأوروبي جاء إلى تركيا لإظهار التضامن مع إمام أوغلو، والوقوف ميدانياً على ما وصفه بالتراجع الكبير في استقلال القضاء.
كما أشار إلى تأجيل قضية شهادة إمام أوغلو الجامعية إلى مطلع العام المقبل، في الوقت الذي اضطر فيه للدفاع عن نفسه في ثلاث محاكمات مختلفة خلال يوم واحد، بينما كانت بعض الملفات مرشحة للفصل فيها قبل التاسع من يوليو.
أمور: تصريحات ترامب أفضل رد على وزير العدل التركي
وفي مقابلة مع وسائل إعلام تركية، قال ناتشو سانشيز أمور إن أفضل رد يمكن تقديمه لوزير العدل أكين غورلك هو تصريحات ترامب نفسه.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي أعلن صراحة أنه اتصل بالرئيس أردوغان، فأُطلق سراح القس برونسون فوراً، معتبراً أن هذه الرواية تتناقض مع تأكيدات وزير العدل التركي بشأن استقلال القضاء.
وأضاف أن المفارقة بين التصريحين تمنح مؤشراً واضحاً حول أي الروايتين تبدو أكثر انسجاماً مع الوقائع المتعلقة بعمل القضاء التركي.
الحكومة التركية تتمسك باستقلال القضاء
من جانبه، رفض وزير العدل أكين غورلك الانتقادات الأوروبية، مؤكداً أن القضاء التركي مستقل ولا يخضع لأي تدخل سياسي.
وشدد في بيان نشره عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي على أن “لا أحد يستطيع توجيه الاتهامات أو التلويح بالإملاءات للمحاكم التركية”، في رد مباشر على تصريحات مقرر البرلمان الأوروبي.
أبعاد سياسية تتجاوز قضية برونسون
تعيد تصريحات ترامب وقضية برونسون إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول العلاقة بين السياسة والقضاء في تركيا، خاصة في الملفات ذات البعد الدولي.
ففي الوقت الذي يرى فيه مسؤولون غربيون ومعارضون أتراك أن تصريحات الرئيس الأمريكي تعزز الشكوك بشأن تدخل السلطة التنفيذية في قرارات القضاء، تؤكد الحكومة التركية أن جميع الأحكام والإجراءات تصدر حصراً عن المحاكم المختصة وفق القانون.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية لأنها لا تتعلق فقط بماضٍ دبلوماسي شهد أزمة حادة بين أنقرة وواشنطن، بل أصبحت مرجعاً يُستحضر باستمرار عند مناقشة ملفات قضائية جديدة، وفي مقدمتها القضايا المرتبطة بالمعارضة السياسية والحريات العامة في تركيا.

