فتحت قضية الطبيبة العسكرية التركية الدكتورة “إفران توماريس أصول” باباً جديداً للنقاش بشأن آليات الرقابة داخل القوات المسلحة التركية وحدود الحماية التي يتمتع بها العسكريون عند الإبلاغ عن مخالفات تتعلق بالمصلحة العامة، وذلك بعد لجوئها إلى القضاء للطعن في قرار فصلها من الخدمة، مؤكدة أن ما تعرضت له لم يكن إجراءً تأديبياً عادياً، بل عقوبة جاءت بسبب كشفها ما وصفته بانتهاكات خطيرة مست صحة وسلامة المجندين.
وتؤكد الطبيبة، في مذكراتها القضائية وتصريحاتها العلنية، أنها أُحيلت إلى المجلس الأعلى للتأديب في القوات المسلحة التركية، قبل أن تُفصل من الخدمة بتهمة “عدم الانضباط”، في حين ترى أن القرار جاء انتقاماً من محاولاتها المتكررة للإبلاغ عن تجاوزات داخل إحدى وحدات تدريب المجندين.
بداية القضية… بلاغات داخلية لم تلقَ استجابة
بحسب ما ورد في ملف الدعوى وما أعلنته الطبيبة، بدأت الأزمة أثناء عملها في إحدى وحدات تدريب المجندين، حيث لاحظت، بحسب روايتها، وجود اختلالات صحية وإدارية اعتبرتها تهدد سلامة المجندين.
وتقول إنها التزمت في البداية بالإجراءات العسكرية المعتادة، وقدمت عدداً من تقارير الحوادث والمذكرات المكتوبة إلى قادتها المباشرين، مطالبة بمعالجة ما وصفته بأوجه القصور في الخدمات الطبية وظروف المعيشة داخل القاعدة.
إلا أنها تؤكد أن تلك البلاغات لم تلقَ أي استجابة، وهو ما دفعها إلى نقل القضية خارج المؤسسة العسكرية، عبر تقديم شكاوى إلى مركز الاتصالات الرئاسي التركي (CİMER)، وهو المنصة الحكومية المخصصة لاستقبال شكاوى المواطنين، إضافة إلى إبلاغ النيابة العامة المدنية بما اعتبرته مخالفات تستوجب التحقيق.
إحالة إلى مجلس التأديب ثم الفصل من الخدمة
بعد تقديم تلك الشكاوى، أُحيلت الطبيبة إلى المجلس الأعلى للتأديب في القوات المسلحة، الذي أصدر قراراً بفصلها من الخدمة العسكرية استناداً إلى اتهامات تتعلق بعدم الانضباط.
وترى أصول أن الإجراءات التأديبية لم تكن مرتبطة بسلوكها الوظيفي، وإنما جاءت رداً على كشفها معلومات تتعلق بأوضاع المجندين، مؤكدة في دعواها أن القرار يمثل إساءة لاستخدام السلطة بهدف ردع أي محاولات مستقبلية للإبلاغ عن مخالفات مماثلة.
وقد رفعت دعوى أمام المحكمة الإدارية للمطالبة بإلغاء قرار الفصل وإثبات أن الإجراءات التي اتخذت بحقها جاءت بدافع الانتقام وليس لأسباب مهنية.
اتهامات تتعلق بالأدوية والرعاية الصحية
تتضمن مذكرات الطبيبة سلسلة من الادعاءات المتعلقة بطريقة إدارة الخدمات الطبية داخل الوحدة العسكرية.
وتقول إن بعض القادة أصدروا تعليمات للطواقم الطبية بتوزيع أدوية منتهية الصلاحية على المجندين، في الوقت الذي كانت فيه شحنات جديدة من الأدوية محفوظة داخل المستودعات من دون صرفها للمحتاجين.
كما أشارت إلى أن المجندين كانوا يفتقرون إلى مياه شرب آمنة، واضطر بعضهم إلى الاعتماد على مياه الصنابير، وهو ما اعتبرته خطراً صحياً، خاصة مع تزامنه مع ظروف معيشية غير مناسبة داخل المعسكر.
مزاعم بشأن تدهور ظروف المعيشة وانتشار الأمراض
وتحدثت الطبيبة عن أوضاع وصفتها بأنها غير صحية داخل مركز التدريب، مؤكدة أن بعض المجندين مُنعوا من الاستحمام لأكثر من أسبوعين، الأمر الذي قالت إنه ساهم في انتشار أمراض معدية، من بينها مرض الجرب.
وترى أن هذه الظروف كان من الممكن تفاديها لو تم الالتزام بالحد الأدنى من معايير النظافة والرعاية الصحية داخل المنشآت العسكرية.
اتهامات تمس الاستجابة للحالات الطارئة
من أخطر ما ورد في ملف الدعوى، بحسب تصريحات أصول، أن أسطوانات الأكسجين المخصصة للطوارئ داخل المستوصف العسكري كانت فارغة، وهو ما قالت إنه أعاق قدرة الأطباء على التعامل مع حالات الربو الحادة أو نوبات الحساسية الشديدة التي تعرض لها بعض المجندين.
كما زعمت أن سيارات الإسعاف لم تكن متوافرة في بعض الحالات الطبية العاجلة، لأن ضباطاً استخدموها خارج القاعدة لأغراض شخصية، الأمر الذي أدى – بحسب روايتها – إلى تأخير نقل مصابين بإصابات خطيرة، بينها إصابات في الرأس ونزيف داخلي، إلى المستشفيات.
تدخل القيادات العسكرية في القرارات الطبية
واتهمت الطبيبة بعض القادة العسكريين بالتدخل في اختصاص الأطباء، مشيرة إلى أنهم كانوا يرفضون تنفيذ تقارير الإجازات الطبية أو الإعفاءات الصحية الصادرة بصورة قانونية للمجندين، بدعوى أن بعضهم يبالغ في وصف حالته المرضية.
وترى أن مثل هذه التدخلات كانت تحد من استقلالية القرار الطبي، وتضع صحة المجندين في مواجهة الاعتبارات الإدارية والانضباطية.
إجراءات انتقامية داخل الوحدة
وأكدت أصول أنها واجهت، بعد اعتراضها على تلك الممارسات، سلسلة من الإجراءات التي وصفتها بالعقابية، من بينها منعها من دخول قاعة الطعام المخصصة للضباط، وإلزام المجندين بإيصال وجباتها إلى غرفتها بدلاً من تناول الطعام مع زملائها.
وتعتبر أن هذه التصرفات كانت جزءاً من حملة هدفت إلى عزلها مهنياً والضغط عليها بعد تمسكها بموقفها.
“لم أستطع الصمت”
وفي تصريحات علنية، لمواقع إخبارية تركية، أوضحت الطبيبة أن قرارها بالإبلاغ عن تلك الوقائع استند إلى واجبها المهني والأخلاقي كطبيبة، إضافة إلى خلفيتها العائلية العسكرية.
وقالت إن والدها أمضى حياته المهنية ضابطاً في الجيش، ولم تشهد خلال خدمته تكليف المجندين بأعمال شخصية أو ممارسات مشابهة لما قالت إنها شاهدته بنفسها، مضيفة أنها لم تستطع التزام الصمت أمام ما اعتبرته تجاوزات تمس حياة المجندين.
غياب رد رسمي مفصل
حتى الآن، لم تصدر وزارة الدفاع التركية رداً تفصيلياً على الاتهامات التي أثارتها الطبيبة، كما لم توضح بصورة علنية ما إذا كانت قد فتحت تحقيقاً داخلياً بشأن الظروف التي تحدثت عنها أو بشأن المخالفات التي زعمت وقوعها داخل مركز التدريب.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه السلطات التركية التزام الصمت حيال تفاصيل القضية، بينما لا تزال الدعوى منظورة أمام القضاء الإداري.
أبعاد أوسع للقضية
تكتسب القضية أهمية خاصة في ظل استمرار نظام الخدمة العسكرية الإلزامية في تركيا بالنسبة لمعظم المواطنين الذكور، وهو نظام يعتمد بصورة كبيرة على التسلسل القيادي في معالجة الشكاوى داخل المؤسسة العسكرية.
وقد أعادت هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول مدى استقلالية قنوات الإبلاغ داخل القوات المسلحة، وما إذا كانت توفر حماية كافية للعسكريين الذين يكشفون عن مخالفات تمس السلامة العامة أو حقوق المجندين، أم أن هؤلاء قد يواجهون إجراءات تأديبية بسبب لجوئهم إلى السلطات المدنية بعد استنفاد المسارات الداخلية.
ويرى مراقبون أن نتائج الدعوى قد تشكل اختباراً مهماً لمدى قدرة المؤسسات القضائية على الموازنة بين متطلبات الانضباط العسكري وحق العاملين في الإبلاغ عن مخالفات تتعلق بالصحة والسلامة العامة، خصوصاً في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع المسؤولية الطبية والأخلاقية.

