اختتم قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) أعمال قمتهم في العاصمة التركية أنقرة بإعلان مشترك شدد على “الالتزام الراسخ الذي لا يتزعزع” بمبدأ الدفاع الجماعي، في رسالة هدفت إلى طمأنة أعضاء الحلف بشأن تماسكه، بعد أشهر من الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
وأكد البيان الختامي أن قادة الدول الأعضاء اجتمعوا في أنقرة لتجديد تمسكهم بالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تُعد حجر الأساس في بنية الحلف، وتنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعتبر اعتداءً على جميع الأعضاء، بما يفرض التزامًا جماعيًا بالدفاع عنها.
وجاء التشديد على هذه الصيغة بعد متابعة دقيقة لصياغة البيان، نظراً لأن ترامب سبق أن شكك مراراً في استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن الحلفاء الذين لا يحققون مستويات الإنفاق الدفاعي التي تطالب بها واشنطن.
ترامب يهاجم الحلفاء علناً… ثم يبعث برسائل مختلفة خلف الأبواب المغلقة
شهدت الجلسة الافتتاحية للقمة أجواءً متوترة بعدما وجّه ترامب انتقادات حادة إلى عدد من شركاء الناتو، معتبراً أن بعضهم لم يدعم السياسة الأمريكية تجاه إيران، كما أعاد إحياء مطالبته بضم جزيرة غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع الدنمارك العضو في الحلف.
وقال ترامب إن اعتراض الدول الأوروبية على فكرة السيطرة الأمريكية على غرينلاند يمثل “مشكلة كبيرة”، معرباً عن استيائه من مواقف الحلف بشأن الملفين الإيراني وغرينلاند.
كما وصف إيران بأنها “أكبر دولة راعية للإرهاب”، معتبراً أن حلفاءه الأوروبيين لم يقدموا الدعم الكافي للحملة الأمريكية ضد طهران.
وفي سياق آخر، صعّد ترامب لهجته تجاه إسبانيا، واصفاً مدريد بأنها “شريك سيئ للغاية” داخل الناتو، ولوّح بوقف العلاقات التجارية معها على خلفية استمرار الخلاف بشأن حجم الإنفاق الدفاعي الإسباني، داعياً وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية بحقها.
غير أن الأجواء تغيرت بعد انتهاء الاجتماع المغلق لقادة الحلف، إذ بدا ترامب أكثر هدوءاً، مؤكداً أن النقاشات اتسمت بروح إيجابية وأن القاعة شهدت “قدراً كبيراً من الوحدة والتفاهم والمحبة”.
رسائل طمأنة أمريكية داخل الاجتماع
كشفت مصادر حضرت الاجتماع لوكالة فرانس برس أن ترامب بعث برسائل مختلفة تماماً عن تصريحاته العلنية، مؤكداً للحلفاء أن الولايات المتحدة لا تزال ترغب في البقاء داخل الناتو ومواصلة الشراكة عبر الأطلسي.
ونقلت المصادر عنه قوله للحاضرين: “نريد أن نبقى معكم”، في إشارة اعتبرها المشاركون محاولة لتخفيف المخاوف الأوروبية بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي.
وأوضحت المصادر أن هناك تبايناً واضحاً بين الخطاب الذي يوجهه ترامب للرأي العام وما يقوله خلال الاجتماعات المغلقة مع الحلفاء.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميخال رسالة ترامب بأنها “بناءة”، موضحاً أنها ركزت على ضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر في تمويل دفاعها وزيادة استثماراتها العسكرية.
أما وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس فدعا إلى عدم المبالغة في تفسير تصريحات ترامب، مؤكداً أن الروابط عبر الأطلسي لا تزال قوية، وأن ما يجري لا يعكس تراجعاً في تماسك الحلف.
روسيا تبقى التهديد الاستراتيجي الأبرز
أكد الإعلان الختامي أن روسيا ما تزال تمثل التهديد طويل الأمد الأكثر خطورة على الأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية، إلى جانب استمرار خطر الإرهاب.
وأشار البيان إلى أن الحلفاء يواصلون تنفيذ الالتزامات الدفاعية التي تم الاتفاق عليها سابقاً، موضحاً أن الدول الأوروبية وكندا رفعت استثماراتها في متطلبات الدفاع الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025.
كما أعلن قادة الحلف عن إطلاق عقود ومشتريات دفاعية جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، إلى جانب توسيع الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية والعمل مع شركات الدفاع لتسريع الابتكار وإنتاج الأسلحة.
وأكدت الدول الأعضاء استمرار الجهود لإزالة القيود التجارية التي تعيق انتقال المعدات الدفاعية بين أعضاء الحلف، وتعزيز التكامل الصناعي العسكري بما يسمح ببناء قاعدة إنتاج أكثر مرونة واستجابة للأزمات.
وتعكس هذه التوجهات أحد أبرز أهداف قمة أنقرة، والمتمثل في رفع معدلات إنتاج الأسلحة والذخائر على جانبي المحيط الأطلسي، مع سعي أوروبا إلى تحمل دور أكبر في أمنها الذاتي، بالتوازي مع استمرار دعم أوكرانيا.
نحو دور أوروبي أكبر داخل الحلف
شدد البيان على أن الناتو يعمل على بناء “أوروبا أقوى داخل حلف أقوى”، عبر توسيع مساهمة الدول الأوروبية وكندا في تحمل أعباء الدفاع الجماعي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وأوضح أن منظومة الردع المستقبلية ستعتمد على مزيج متكامل من القدرات النووية والتقليدية والدفاع الصاروخي، إضافة إلى القدرات الفضائية والسيبرانية.
كما التزم الحلف بتطوير منظومات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وتوسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة، والاستثمار في التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن إنشاء سحابة قتالية عابرة للأطلسي تسمح بتبادل البيانات العسكرية بصورة فورية بين الجيوش الحليفة.
أوكرانيا تحتفظ بموقعها في صدارة أولويات الناتو
احتلت الحرب في أوكرانيا مساحة واسعة من البيان الختامي، إذ أكد الحلف استمرار دعمه الكامل لكييف، واعتبر أن الدفاع الأوكراني يسهم بصورة مباشرة في حماية الأمن الأوروبي والأطلسي.
وجدد القادة التزامهم بدعم استقلال أوكرانيا وسيادتها ووحدة أراضيها، مشيرين إلى أن الدول الأوروبية وكندا أصبحت تتحمل النصيب الأكبر من المساعدات العسكرية والأمنية المقدمة لكييف عبر قنوات ثنائية ومتعددة الأطراف.
وأعلن الحلف تخصيص 70 مليار يورو خلال عام 2026 لتوفير المعدات العسكرية والتدريب والمساعدات الأمنية لأوكرانيا، مع التعهد بالحفاظ على مستوى مماثل من الدعم خلال عام 2027.
كما رحب البيان بقرار الاتحاد الأوروبي توفير تمويل متعدد السنوات لأوكرانيا من خلال برنامج “قرض دعم أوكرانيا”.
وعلى هامش القمة، عقد ترامب اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أعلن خلاله أن الولايات المتحدة ستمنح كييف ترخيصاً يسمح بإنتاج صواريخ “باتريوت” للدفاع الجوي محلياً، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرة أوكرانيا على مواجهة الهجمات الصاروخية الروسية.
إيران ومضيق هرمز ضمن أولويات الأمن الإقليمي
خصص البيان فقرة للتطورات المتعلقة بإيران، حيث أكد الحلف أن طهران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً، داعياً في الوقت نفسه إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط والغاز.
وأشار البيان إلى أن الحلف يواصل التعامل مع التحديات الأمنية الناجمة عن المنافسة الاستراتيجية والتهديدات الهجينة وعدم الاستقرار الإقليمي.
ورغم أن ترامب استخدم لهجة شديدة ضد إيران في تصريحاته العلنية، فإن مصادر شاركت في الاجتماعات المغلقة أكدت أن حديثه داخل القاعة كان أقل حدة وأكثر توازناً.
قمة في ظل ضغوط أمريكية متصاعدة
انعقدت قمة أنقرة في وقت يواجه فيه الحلف واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود، مع استمرار الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لرفع الإنفاق العسكري وتقليل الاعتماد على القدرات الأمريكية.
وفي محاولة لاحتواء الخلافات، أعلنت الدول الأعضاء قبل انطلاق القمة عن عقود تسليح جديدة بعشرات المليارات من الدولارات، لإظهار التزامها بتنفيذ تعهداتها الدفاعية.
من جهته، أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف خرج من القمة أكثر قوة، معتبراً أن الاختلافات بين الأعضاء أمر طبيعي داخل أي تحالف سياسي وعسكري كبير، وأن النقاشات الصريحة لا تعني ضعف التماسك، بل قد تسهم في تعزيزه.
كما أعلن أن القمة المقبلة للحلف ستُعقد في ألبانيا، على أن يُحدد موعدها في وقت لاحق.
قراءة تحليلية
تعكس مخرجات قمة أنقرة استمرار قدرة الناتو على الحفاظ على وحدته المؤسسية رغم التباينات السياسية بين أعضائه، إذ نجح الحلف في إصدار إعلان موحد يؤكد الالتزام بالدفاع الجماعي، بينما استمرت الخلافات في الظهور على مستوى الخطاب السياسي، خصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي.
وفي المقابل، تؤشر التعهدات المالية والعسكرية الجديدة إلى انتقال الحلف تدريجياً نحو نموذج يمنح الدول الأوروبية دوراً أكبر في تحمل أعباء الأمن والدفاع، في ظل سعي واشنطن إلى إعادة توزيع المسؤوليات داخل التحالف دون التخلي عن قيادته الاستراتيجية.

