تناول المحلل السياسي التركي، أرقم طوفان، المشهد السياسي الراهن في تركيا بوصفه مرحلة مفصلية تتجاوز مجرد السعي لإنهاء الصراع المسلح، لتصل إلى جوهر البقاء السياسي للنظام الحاكم. يرى طوفان أن السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح السنوات المقبلة هو: هل سيمنح حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد قبلة الحياة السياسية لرجب طيب أردوغان؟
هندسة “تركيا بلا إرهاب”: تحالف الثلاثة الكبار
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يشير أرقم طوفان إلى أن العملية التي تروج لها السلطة تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب” تمضي في مسارات صامتة، وتتحدد ملامحها عبر مفاوضات ومساومات مباشرة بين ثلاثة أطراف رئيسية: “الرئيس” (أردوغان)، و”الباشبوغ” (دولت باهتشلي)، و”القيادة” (عبد اللهأوجلان)، زعيم حزب العمال الكردستاني.
ويرى طوفان أن هذه العملية تفتقر إلى وجود أطراف ضامنة دولية أو إقليمية، حيث تقتصر الأدوار فيها على هؤلاء الثلاثة، بينما يجد “حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب” نفسه في موقع “ساعي البريد” دون مهمة سياسية جوهرية تتجاوز نقل الرسائل.
وبحسب طوفان، فإن جوهر المساومة حالياً يتركز على نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ودمجه في العملية السياسية، مع غياب تام لمطالب الأكراد التاريخية عن طاولة التفاوض، مثل التعليم باللغة الأم، وتعزيز الإدارة المحلية، وإنهاء نظام “الوصاية” على البلديات الكردية.
فاتورة العقود الأربعة ومكاسب “تجار الحروب“
يستعرض طوفان السياق التاريخي لهذا الصراع الذي انطلق منذ هجمات “إيروه” و”شمدينلي” عام 1984، مستمراً لأكثر من 42 عاماً من المواجهة المسلحة التي غذتها سياسات الإنكار الحكومية. وقد خلّف هذا الصراع حصيلة بشرية مريرة تجاوزت 40 ألف قتيل، وخسائر اقتصادية قُدرت بنحو 42 تريليون دولار.
وفي هذا الإطار، يحلل طوفان كيف استفاد النظام وتجار السلاح من استمرار هذه الحرب لتعزيز سلطتهم وقبضتهم الأمنية. ورغم ترحيب طوفان الصريح بفكرة إلقاء السلاح وحقن الدماء كخطوة إيجابية للغاية، إلا أنه يتساءل عن المقابل الحقيقي: هل نالت الحقوق الكردية اعترافاً دستورياً، أم أن الأمر مجرد دمج للكوادر المسلحة في النظام السياسي القائم؟
حسابات الـ 360 صوتاً: معضلة البقاء السياسي
يفكك أرقم طوفان الدوافع الحقيقية وراء تحركات أردوغان، معتبراً إياها مسألة “حياة أو موت”. ويرى أن أردوغان، الذي يسعى للترشح لولاية جديدة، يواجه معضلة دستورية تتطلب دعوة البرلمان لانتخابات مبكرة، وهو ما يحتاج إلى موافقة 360 نائباً.
ومن خلال قراءة في الخريطة البرلمانية، يوضح طوفان أن تحالف الجمهور (العدالة والتنمية، الحركة القومية، والأحزاب الصغيرة المتحالفة معه) لا يملك سوى 332 صوتاً بحد أقصى، مما يترك فجوة قوامها 28 صوتاً على الأقل للوصول إلى النصاب المطلوب.
هنا تبرز أهمية “الحزب الكردي” بكتلته المكونة من 56 نائباً، ليكون هو “بيضة القبان” وقارب النجاة الذي قد يمنح أردوغان فرصة الاستمرار في الحكم.
حقوق الأكراد مقابل بقاء “الرجل الواحد“
ينتقد طوفان بحدة اختزال القضية الكردية في مصير كوادر “قنديل” ومستقبلهم السياسي، محذراً من أن المفاوضات الجارية تبدو وكأنها تسعى لتمديد عمر “نظام الرجل الواحد” بدلاً من دمقرطة البلاد.
ويشير إلى التناقض الصارخ في مواقف بعض الشخصيات الكردية البارزة التي أعربت عن ثقتها في “حسن نوايا” أردوغان وباهتشلي، بل ودعت لهما بطول العمر، وهو ما يفسره طوفان سياسياً بأنه رغبة في إطالة أمد النظام الحالي.
ويتساءل طوفان: كيف يمكن لمن عجزوا عن انتزاع الحقوق عبر البرلمان وهم نواب مدنيون، أن يحققوا ذلك بمجرد نزول الكوادر من الجبال ودخولهم المعترك السياسي؟
مخاطر المسار وسؤال الهوية المستقبلي
يضع أرقم طوفان “حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب” أمام اختبار تاريخي؛ فإما أن يبني سياسة مستقلة تضع الحقوق الديمقراطية للأكراد في المركز، أو يتحول إلى “عكاز” يسند نظام أردوغان المتداعي.
ويحذر طوفان من سيناريوهات “الدولة المظلمة”، متسائلاً عما إذا كانت تركيا ستظل مكاناً آمناً لمن يلقون السلاح، أم أن سيارات “الرينو البيضاء” (White Toros) ، رمز الاغتيالات السياسية ضد الأكراد، ستظهر بنسخ محدثة.
كما ينبه طوفان إلى خطورة رد فعل الشارع الكردي وقاعدة الحزب، التي قد تتساءل عن جدوى عقود من النضال والتضحيات إذا كانت النتيجة النهائية هي مجرد دعم نظام الرجل الواحد دون ضمانات دستورية للهوية والحقوق.
خلاصة
يرى أرقم طوفان أن العملية الراهنة ليست مجرد مسار للسلام، بل هي مناورة سياسية يسعى أردوغان من خلالها لتأمين 360 صوتاً برلمانياً لضمان بقائه في السلطة، مما يضع القوى السياسية الكردية أمام خيار تاريخي بين انتزاع الحقوق الدستورية أو التحول إلى طوق نجاة للنظام.

