أطلق وزير العدل التركي أكين غورليك حملة قانونية وإعلامية تتمثل في تقديم طلبات “نشرة حمراء” وملاحقة دولية واسعة النطاق ضد معارضين سياسيين في الخارج، وهي خطوة تُقرأ في سياق سياسي معقد يتجاوز مجرد الإجراءات القانونية الروتينية.
سياق الحملة ومؤشرات الارتجال المؤسسي
كشف وزير العدل عن إعداد ٢٩٥٠ ملفاً لاستعادة ما يقرب من ٢٠٧٧٠ شخصاً من ١١٩ دولة مختلفة. وتأتي هذه الخطوة بعد مرور نحو عقد من الزمان على أحداث الانقلاب الغامض في الخامس عشر من يوليو ٢٠١٦، مما يثير تساؤلات حول توقيتها وجدواها. وتؤكد المصادر أن هذه الحملات ليست بالجديدة، حيث سبقتها محاولات فاشلة لاستعادة الراحل فتح الله كولن من الولايات المتحدة، وهي ملفات اتسمت بعدم المهنية والافتقار للجدية، حيث أُرسلت آلاف الوثائق باللغة التركية دون ترجمة أو تنظيم، مما جعلها غير قابلة للتنفيذ قانونياً في الدول الغربية. ومن أبرز شواهد عدم الدقة في الحملة الحالية إدراج أسماء أشخاص متوفين، مثل ضابط الشرطة السابق حسين كوركماز، ضمن قوائم المطلوبين، وهو ما يعكس استعجالاً يهدف لتحقيق مكاسب دعائية أكثر من كونه سعياً لتحقيق العدالة.
الدوافع السياسية: الهروب من الملاحقة الدولية
يربط التحليل بين تحركات غورليك الأخيرة وبين الضغوط المتزايدة عليه من البرلمان الأوروبي، حيث سُجل اسمه كأول وزير عدل في تاريخ الجمهورية التركية يُتهم رسمياً بتقويض سيادة القانون والديمقراطية. ويُنظر إلى تصعيد حملة “النشرات الحمراء” كنوع من المناورة السياسية أو “توجيه الأنظار” بعيداً عن التقارير الدولية التي طالبت بفرض عقوبات عليه، ومحاولة لإثبات ولائه للنظام وتأكيد جدارته في منصبه من خلال تبني خطاب مكافحة “الإرهاب” التقليدي”. كما تهدف هذه التحركات إلى تنشيط سردية ١٥ تموز مع اقتراب ذكراها العاشرة، في محاولة لإعادة تعبئة الشارع التركي الذي بدأت ثقته في الرواية الرسمية بالتراجع.
اقتصاديات “صناعة الترحيل” وشبكات المصالح
تُشير المصادر إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ”صناعة” حول قضايا الملاحقة والترحيل، حيث يستفيد قطاع واسع من المحامين، والأكاديميين، والبيروقراطيين، والمكاتب الاستشارية الدولية من ميزانيات الدولة الضخمة المخصصة لهذه الملفات. وتُصرف ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب في حملات علاقات عامة وملاحقات قانونية لا تحقق نتائج ملموسة، لكنها تضمن تدفق الأموال لهذه الشبكات المرتبطة بوزارة العدل والخارجية. ويبرز في هذا السياق دور بعض المنصات الإعلامية، مثل “صحيفة صباح”، التي تُتهم بالعمل كذراع دعائية لـ”عصابات” داخل الدولة تقوم بابتزاز رجال الأعمال وتغطية ملفات الفساد عبر اتهام المعارضين بالانتماء لتنظيمات محظورة.
تسييس المؤسسات وانعكاساته على الدولة والمجتمع
يمتد النقد ليشمل أثر “نظام الولاء” على كفاءة مؤسسات الدولة التركية، ويُضرب المثال بالمنتخب الوطني لكرة القدم وتدخل الشخصيات السياسية والمقربين من النظام، مثل بلال أردوغان، في شؤونه. ويرى المحللون أن غياب “الميريتوقراطية” (نظام الجدارة) واستبداله بالمحسوبية السياسية أدى إلى تراجع الأداء الرياضي والفني، حيث يُعامل اللاعبون كأدوات للدعاية السياسية بدلاً من كونهم رياضيين محترفين. ويُقارن هذا الوضع بدول سلطوية أخرى نجحت في الرياضة لأنها وضعت برامج دولة جادة ومنظمة (مثل الصين أو الاتحاد السوفيتي سابقاً)، بينما يجمع النظام التركي الحالي بين الاستبداد والافتقار للكفاءة التنظيمية، مما يؤدي إلى نتائج باهتة في مختلف المجالات.
قضية الوعي والمواجهة الفردية
في مواجهة هذه الضغوط، يبرز موقف الأفراد المستهدفين الذين يؤكدون أن معركتهم هي معركة من أجل استعادة سيادة القانون وحرية التعبير. ويشدد محللون على أن العودة لتركيا مشروطة بتوفر قضاء مستقل ومحاكمات عادلة، وهو ما يفتقر إليه النظام الحالي الذي يستخدم القضاء كأداة لتصفية الحسابات السياسية. كما يُطرح مفهوم “القدر” كمحرك للثبات الشخصي، مع التأكيد على أن الموقف الأخلاقي والتمسك بالمبادئ يفرض على المعارضين الاستمرار في كشف “شبكات المصالح” التي تدير مفاصل الدولة حالياً.
خلاصة
تمثل حملة النشرات الحمراء لوزير العدل أكين غورليك محاولة للهروب من الإدانات الأوروبية وتحقيق مكاسب دعائية، في ظل نظام قضائي مسيس تحول لمصدر لتمويل شبكات مصالح وبيروقراطية غير فعالة.

