تضع التطورات الأخيرة في أروقة البرلمان الأوروبي الدولة التركية أمام مفترق طرق حاسم، حيث أكد مقرّر البرلمان المعني بتركيا، ناتشو سانشيز أمور، أن “المسيرات الحربية” والقدرات العسكرية ليست هي الجسر الذي سيعبر بأنقرة إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي مؤتمر صحفي رسمي بستراسبورغ، عقب تبني التقرير السنوي لعام 2025، شدد أمور على أن الطريق إلى بروكسل يبدأ فعلياً من زنازين المعتقلين السياسيين، وتحديداً من سجن “سيليفري” الذي يضم وجوهاً بارزة من المعارضة والمجتمع المدني.
الديمقراطية كمعيار أوحد للعضوية
تتبنى الرؤية الأوروبية الحالية فصلاً حاداً بين “الشراكة القائمة على المصالح” وبين “العضوية القائمة على القيم الديمقراطية”. ويرى المقرّر الأوروبي أن محاولات تركيا لاستعراض تفوقها في صناعة الطائرات بدون طيار أو نفوذها الجيوسياسي لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإصلاح الديمقراطي الجذري. فبينما يمكن مناقشة القدرات الدفاعية التركية في إطار شراكة استراتيجية، لا يمكن استخدام هذه القوة لتقويض الشروط الديمقراطية الصارمة المرتبطة بملف العضوية.
الرموز السياسية في مواجهة القضاء
يبرز اسم عمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، كأحد أهم العوائق في مسار التقارب التركي الأوروبي؛ فإمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كمنافس رئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان، يقبع في السجن منذ مارس 2025 ويواجه محاكمات جماعية يصفها حزبه (الشعب الجمهوري) بأنها تصفية سياسية ممنهجة.
إلى جانبه، يظل رجل الأعمال عثمان كافالا رمزاً آخر لهذا التوتر، حيث يستمر احتجازه منذ عام 2017 رغم صدور أحكام ملزمة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بضرورة إطلاق سراحه، إلى جانب عشرات الآلاف من المعتقلين بدعوى الصلة بالانقلاب الغامض في ٢٠١٦.
ويشير التقرير الأوروبي إلى أن هذه القضايا ليست مجرد تفاصيل قانونية، بل هي جوهر الأزمة التي أدت إلى تجميد مفاوضات الانضمام منذ عام 2018.
التناقضات الدفاعية والسياسة الخارجية
تظهر فجوة عميقة في ملف الأمن والدفاع، حيث تسعى أنقرة للمشاركة في المبادرات الدفاعية الأوروبية الجديدة مع الاحتفاظ بمنظومات “إس-400” الروسية التي لا تتوافق مع معايير حلف “الناتو”.
بالإضافة إلى ذلك، يوجه البرلمان الأوروبي انتقادات لاذعة للتوجهات التركية في شرق المتوسط، خاصة عقيدة “الوطن الأزرق”، واستمرار وجود القوات التركية في شمال قبرص ودعم حل الدولتين، وهي مواقف تتعارض بشكل صارخ مع السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي التي لا تتماشى معها تركيا إلا بنسبة ضئيلة جداً.
التصعيد الأوروبي نحو العقوبات
لأول مرة بشكل صريح، يحث التقرير الأوروبي منسقة السياسة الخارجية، كاجا كالاس، على النظر في إدراج مسؤولين أتراك ضمن “نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان” التابع للاتحاد الأوروبي.
وقد خص التقرير بالذكر وزير العدل، أكين غورليك، واصفاً إياه بأنه شخصية محورية في “آلة القمع” الحكومية، وذلك بناءً على دوره السابق كمدعي عام أشرف على التحقيقات التي استهدفت إمام أوغلو وقيادات المعارضة قبل تعيينه وزيراً في فبراير الماضي.
ورغم أن اعتماد التقرير لا يعني فرض العقوبات تلقائياً، إلا أنه يمهد الطريق لقرار سياسي من الدول الأعضاء لتجميد الأصول وحظر السفر.
الرد الرسمي التركي: رفض التدخل في السيادة
في المقابل، جاء الرد التركي حاداً وموحداً من مختلف مؤسسات الدولة؛ فقد اعتبرت وزارة الخارجية أن التقرير مبني على مزاعم لا أساس لها من الصحة ومعلومات مضللة من مجموعات معادية، مؤكدة أن القضاء التركي ركيزة سيادية لا تقبل التدخل الخارجي.
كما اتهم مدير الاتصالات الرئاسية، برهان الدين دوران، البرلمان الأوروبي بتبني مطالب “قصوى” لليونان والانحياز في ملف قبرص. ومن جانبه، وصف كبير مستشاري الرئيس، عاكف تشاغتاي كيليتش، التقرير بأنه انعكاس لأحكام مسبقة، نافياً استخدام الجاليات التركية في أوروبا كأدوات نفوذ سياسي. أما في الحزب الحاكم، فقد اعتبر السكرتير العام لحزب العدالة والتنمية أن تركيا لا تنتظر إذناً من تقارير أو مراكز خارجية لرسم مسارها.
التحليل السياقي والآفاق المستقبلية
يعكس هذا التقرير تحولاً في المقاربة الأوروبية من “الانتظار الدبلوماسي” إلى “التصعيد الحقوقي”، مما يشير إلى أن ملف العضوية التركية قد دخل مرحلة “الموت السريري” سياسياً ما لم تفتح أنقرة أبواب سجونها السياسية. إن الربط المباشر بين العقوبات الشخصية على مسؤولين رفيعين وبين ملفات قضائية محلية يمثل تصعيداً غير مسبوق يضع العلاقات التركية الأوروبية أمام اختبار عسير في عام 2026، خاصة مع تزايد الأهمية الاستراتيجية لتركيا في ظل الاضطرابات الإقليمية التي يرى البعض أن أنقرة تحاول استغلالها لتجاوز شروط الديمقراطية.
خلاصة
يربط البرلمان الأوروبي مستقبل عضوية تركيا بملف الحقوق والحريات وإطلاق سراح المعارضين السياسيين والمدنيين، معتبراً التفوق العسكري والجيوسياسي غير كافٍ لتجاوز المعايير الديمقراطية المطلوبة، بينما تتمسك أنقرة بسيادة قضائها وترفض التقرير جملة وتفصيلاً.

