ترسم التقارير الحقوقية الأخيرة صورة قاتمة للمشهد الإنساني والقانوني في تركيا بعد مرور ما يقرب من عقد على محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو ٢٠١٦، حيث تبلور مفهوم “الموت المدني” كواقع معاش لآلاف المواطنين.
ووفقاً لتقرير حديث أصدرته الفيدرالية الإيطالية لحقوق الإنسان (FIDU)، فإن التدابير المتخذة في إطار حالة الطوارئ التي أعقبت المحاولة لم تكن مجرد إجراءات مؤقتة، بل تحولت إلى أداة للإقصاء الدائم من الحياة العامة والمهنية، مما جعل المتضررين يحتفظون بجنسيتهم رسمياً بينما يُحرمون من جوهر حقوق المواطنة.
تشريح المشهد: ما وراء مرسوم الطوارئ والبيانات الملموسة
يستند التقرير، الذي أعده الأكاديميون علي يلدز ومصطفى غونايدن ومصطفى ساغير، إلى دراسة مسحية شملت ١٦٢٩ شخصاً من بين ١٦٢,٢٣٩ موظفاً حكومياً تم فصلهم بموجب مرسومات الطوارئ. وتكشف البيانات أن نحو ثلثي هؤلاء لم يتمكنوا من الحصول على وظائف مسجلة في نظام الضمان الاجتماعي، مما دفعهم إلى هامش الاقتصاد غير الرسمي. علاوة على ذلك، أفاد أكثر من ٧٠٪ من المشاركين في الدراسة بأن أرباب العمل في القطاع الخاص رفضوا توظيفهم بمجرد علمهم بوضعهم القانوني المرتبط بمرسومات الطوارئ، مما يعكس تحول “الوصمة الإدارية” إلى حاجز مجتمعي ومهني منيع.
الوصمة الرقمية: لغز الرمز “36/OHAL/KHK”
يكمن جوهر آلية الإقصاء في نظام ترميز إداري رقمي يُعرف بالرمز “36/OHAL/KHK”، وهو بمثابة “علامة سوداء” تظهر في سجلات مؤسسة الضمان الاجتماعي ووكالة التوظيف التركية. هذا الرمز لا يعمل فقط على منع التوظيف، بل يمتد أثره ليعرقل المعاملات المصرفية، وتسجيل العقارات، وإجراءات كاتب العدل، وحتى الاستفادة من خدمات الرعاية الاجتماعية. واللافت للنظر أن هذا النظام التمييزي يعمل بشكل آلي، حيث لا يتضمن أي إشارة إلى قرارات البراءة القضائية، ولا يحمل تاريخ انتهاء صلاحية، ولا يوفر مساراً قانونياً واضحاً للاعتراض على وجوده في السجلات الرسمية.
مفارقة القضاء والإدارة: البراءة التي لا تعيد الحقوق
تكشف المعطيات عن فجوة عميقة بين المسار القضائي والواقع الإداري؛ فبينما حصل نحو ٤٨٪ من المتضررين الذين خضعوا لمحاكمات على قرارات بالبراءة أو حفظ التحقيق، إلا أن هذه الأحكام لم تترجم إلى استعادة للوظائف أو رفع للقيود الإدارية. وتبرر السلطات التركية، عبر ممثلي الحزب الحاكم، هذا الفصل بأن المسؤولية الجنائية تختلف عن المعايير التأديبية الإدارية، وهو ما تراه المنظمات الحقوقية وسيلة لإدامة العقوبات حتى في غياب الجرم الجنائي. وفي حالات عديدة، استغرقت إجراءات التبرئة ما بين أربع إلى تسع سنوات، قضاها بعضهم في احتجاز احتياطي طويل، دون أن تسفر في النهاية عن العودة إلى الخدمة العامة.
توارث الإقصاء: الأثر العابر للأجيال والعائلات
لم تتوقف تداعيات التطهير عند الشخص المفصول فحسب، بل امتدت لتشكل “عقاباً جماعياً” للعائلات؛ حيث أشار التقرير إلى أن أكثر من ٣٥٪ من المتضررين لديهم أقارب من الدرجة الأولى تعرضوا للفصل أيضاً. كما واجه أفراد العائلات الذين لا يحملون صفة “مفصول” (KHK) أشكالاً من التمييز، شملت منع الأبناء من دخول مهن معينة مثل الشرطة، واستبعاد الزوجات من برامج الدكتوراه، وفرض قيود على معاملاتهم المالية، مما يؤسس لطبقة اجتماعية مقصاة ومحاصرة اقتصادياً.
الموقف الدولي والمعايير الحقوقية الملحة
على الصعيد الدولي، تزايدت الضغوط عبر أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لا سيما في قضيتي “يوكسل يالسينكايا” (٢٠٢٣) و”ياساك” (مايو ٢٠٢٦)، حيث انتقدت المحكمة إدانة الأشخاص دون تقييم دقيق للمسؤولية الجنائية الفردية. وتطالب الهيئات الحقوقية اليوم بضرورة حذف الرموز التمييزية من قواعد البيانات، وإعادة المبرئين إلى وظائفهم فوراً، وتقديم تعويضات للعائلات المتضررة. كما يحث الاتحاد الأوروبي على جعل تحسين ملف الموظفين المفصولين شرطاً أساسياً لأي تطوير في العلاقات الثنائية مع أنقرة.
خلاصة
تحولت مرسومات الطوارئ في تركيا من إجراءات أمنية مؤقتة إلى منظومة إقصاء شاملة تكرس “الموت المدني” لآلاف العائلات رغم قرارات البراءة القضائية. يتطلب تجاوز هذه الأزمة تفكيك آليات التمييز الرقمي والإداري وضمان تماشي الممارسات المحلية مع معايير حقوق الإنسان الدولية.

