أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً تاريخياً يقضي بإدانة الحكومة التركية على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها الصحفي “تونجر جيتينكايا”، الموظف السابق في مؤسسات إعلامية بارزة كصحيفة “زمان” ووكالة “جيهان” ووكالة “الأناضول” الرسمية، وصاحب عديد من المؤلفات التي تسلط الضوء على تاريخ تركيا الحديث.
ويأتي هذا القرار بعد تسع سنوات من الانتظار منذ تقدم جيتينكايا بطلبه للمحكمة في عام ٢٠١٧، ليضع حداً قانونياً لسنوات من الملاحقة التي استهدفت نشاطه المهني تحت غطاء الملاحقات الأمنية.
توصيف الحكم القضائي والتعويضات المستحقة
أقرت المحكمة الأوروبية، عبر دائرتها الثانية، بوقوع انتهاكات صريحة لمواد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وتحديداً المادتين الخامسة (الفقرتان الأولى والثالثة) المتعلقة بالحق في الحرية والأمان، بالإضافة إلى انتهاك الحق في حرية التعبير.
وقد جاء القرار بأغلبية ستة أصوات مقابل صوت واحد، حيث سجلت القاضية التركية “سعادت يوكسل” مخالفتها الوحيدة لهذا الحكم. وبموجب هذا القرار، أُلزمت تركيا بدفع تعويض مادي لجيتينكايا قدره ستة عشر ألفاً ومائتان وخمسون يورو كتعويض عن الأضرار المعنوية، إضافة إلى تحمل نفقات التقاضي البالغة أربعة آلاف وأربعمائة وستة يورو.
دحض “الشبهة المعقولة”: تحويل العمل الصحفي إلى جريمة
كشف منطوق الحكم الأوروبي عن زيف الادعاءات التي استندت إليها السلطات التركية في اعتقال جيتينكايا في يوليو ٢٠١٦ بتهمة الصلة بحركة الخدمة، حيث أكدت المحكمة أن الأفعال المنسوبة إليه لا تندرج ضمن نطاق “الشبهة المعقولة” لارتكاب جريمة. فقد شملت قائمة “الأدلة” التي قدمها الادعاء التركي امتلاك الصحفي لكتابين للراحل فتح الله كولن، وحيازته لجهازي لاسلكي، ووجود حساب بنكي له في “بنك آسيا”، فضلاً عن زيارات سابقة للولايات المتحدة في عامي ٢٠١١ و٢٠١٣. كما اعتبرت السلطات التركية تغريداته التي تؤكد أن “الصحافة الحرة لا يمكن إسكاتها” وكتاباته الناقدة للحكومة دليلاً على “الانتماء لمنظمة إرهابية” ومحاولة “قلب النظام الدستوري”، وهو ما اعتبرته المحكمة الأوروبية ممارسات تقع في صلب العمل الصحفي المحمي قانوناً.
مأساة الاعتقال: ثمن جسدي باهظ وضريبة الحرية
لم تتوقف معاناة جيتينكايا عند سلب حريته، بل امتدت لتشمل تدهوراً حاداً في حالته الصحية نتيجة الإهمال المتعمد داخل السجون التركية، حيث قضى ٦٤٠ يوماً في المعتقل. خلال هذه الفترة، حُرم من أدويته لمدة خمسة أشهر متواصلة، مما أدى إلى فقدانه ثلاثين كيلوغراماً من وزنه وتوقف كليتيه عن العمل بشكل شبه كامل. وفي شهادة مروعة، روى جيتينكايا كيف تُرِك وحيداً في غرفة باردة وهو عارٍ تماماً لمدة عشر ساعات عقب خضوعه لعملية جراحية أثناء فترة احتجازه، مما يعكس نمطاً من التعامل يرقى إلى مستوى التعذيب وسوء المعاملة.
الواقع الراهن: من إدارة الإعلام إلى لجوء الشتات
يعيش جيتينكايا اليوم في ألمانيا، بعيداً عن مهنته التي برع فيها لسنوات، حيث كان يشغل منصب المسؤول الإقليمي لصحيفة “زمان” في منطقة البحر الأبيض المتوسط قبل فرض وصاية قضائية عليها في مارس ٢٠١٦. وبسبب الظروف السياسية والقانونية، اضطر لتغيير مساره المهني بالكامل ليعمل حالياً ممثلاً للتأمين التقاعدي وسائقاً لحافلة مدرسية بدوام جزئي لتأمين قوته اليومي. ورغم مرارة الواقع، اعتبر جيتينكايا أن هذا الحكم يمثل “تسجيلاً للتاريخ” وانتصاراً معنوياً يثبت انهيار المنظومة العدلية في بلاده، واصفاً القضاء التركي بأنه تراجع إلى ما دون عصر “الماجنا كارتا” في مجال الحقوق والحريات.
أبعاد الحكم وتداعياته على حرية الصحافة
يمثل هذا القرار القضائي رسالة صارمة للسلطات التركية بضرورة الفصل بين النشاط الصحفي والنشاط الإجرامي، حيث أكدت المحكمة أن حرية التعبير لا يمكن تعطيلها عبر ضغوط التحقيقات الجنائية. ويرى مراقبون قانونيون أن هذا الحكم يشكل سابقة هامة لآلاف القضايا المشابهة، مشددين على أن الاعتقال يجب أن يستند إلى وقائع ملموسة لا إلى استنتاجات مجردة أو انتماءات مؤسسية. ومع استمرار صدور هذه الإدانات الدولية، يظل التحدي الأكبر يكمن في مدى استجابة المحاكم التركية المحلية لهذه القرارات وإنهائها لحالة “اللاقانون” المنهجية التي تعصف بالبلاد.
خلاصة
يؤكد حكم المحكمة الأوروبية الأخير زيف الاتهامات الموجهة للصحفي تونجر جيتينكايا، معتبراً ممارسات السلطات التركية انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية وتجريفاً لسيادة القانون عبر تجريم العمل الصحفي.

