في قراءة تحليلية للمشهد السياسي التركي الراهن، يرى المحلل السياسي أمرَهْ أُوسلو أن تركيا تمر بمرحلة “غليان” سياسي كبرى، تتجاوز مجرد الصراعات الحزبية التقليدية لتصل إلى إعادة صياغة مفهوم “الولاء والانتماء” كأداة للتحكم في موازين القوى.
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يذهب أوسلو إلى أن التطورات الأخيرة، المتمثلة في فتح تحقيقات بتهمة الانتماء لجماعة “فتح الله كولن” ضد رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزل وعمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، تمثل ذروة التوظيف السياسي للقضاء والمصطلحات الأمنية لتصفية الخصوم الذين يرفضون مبدأ “البيعة” المطلقة للنظام الحاكم.
إعادة تعريف “العداء للدولة” والتوظيف السياسي للتهم
يوضح أوسلو أن مصطلح” فيتو” (الانتماء لحركة كولن أو حركة الخدمة) في السياق السياسي التركي الحالي لم يعد مرتبطاً بالضرورة بانتماء عضوي أو خلفية أيديولوجية، بل أضحى “صك اتهام” جاهز يُرفع في وجه كل من لا يقدم فروض الولاء للرئيس رجب طيب أردوغان.
ويستشهد أوسلو بحالات إعلامية وسياسية سابقة مثل رئيس تحرير صحيفة “جمهوريت” ذات التوجه العلماني سابقا جان دوندار الذي واجه التهمة ذاته، وغيره، مؤكداً أن المعيار الوحيد للنجاة من وصمة الإرهاب أو الصلة بحركة كولن هو الانضواء تحت لواء النظام؛ فمن “يبايع” يُعفى عنه حتى لو كان في هرم الجماعة سابقاً، ومن يعارض يُصنف فوراً ضمن “الخونة”.
دور كمال كليتشدار أوغلو: “الوصي” الجديد على المعارضة
في تحليل مثير للجدل، يصف أوسلو رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق، كمال كليتشدار أوغلو، بأنه تحول إلى “وصي” يخدم أجندة “عقل الدولة” والنظام الحاكم داخل صفوف المعارضة. ويرى أوسلو أن خطاب كليتشدار أوغلو الأخير لم يكن موجهاً لقواعد الحزب، بل كان رسالة اعتذار مبطنة لأردوغان بسبب مواقفه السابقة فيما يخص حركة كولن، وتأكيداً على ولائه لـ”عقل الدولة”.
وفقاً لأوسلو، فإن كليتشدار أوغلو يؤدي دور “المرشح الضعيف” أو ما أسماه استعارةً بـ”علبة الكولا” التي تُوضع أمام أردوغان في الانتخابات لضمان فوزه، وهو الدور الذي يسعى النظام لإعادته عبر إضعاف أوزل وإمام أوغلو بفتح تحقيقات قضائية ضدهما.
المأزق الدستوري لعام 2028 واستراتيجية “علبة الكولا”
يرتكز تحليل أوسلو على أن النظام يواجه معضلتين في انتخابات 2028:
- المعضلة الدستورية: التي تمنع أردوغان قانونياً من الترشح لفترة جديدة دون تعديل دستوري أو اللجوء لانتخابات مبكرة يقرها البرلمان.
- معضلة التنافسية: حيث تشير التقديرات إلى عدم قدرة أردوغان على الفوز أمام منافسين حقيقيين يتمتعون بشعبية واسعة.
لهذا السبب، يرى أوسلو أن النظام يسعى لهندسة المعارضة بحيث يكون الخصم في 2028 شخصية “متحكماً بها” مثل كليتشدار أوغلو، الذي قدم للحزب ما يشبه “التسليم الكامل” لمصالح النظام مقابل دور سياسي محدد.
الجذور التاريخية والذرائع القضائية ضد أوزل وإمام أوغلو
يورد أوسلو معلومات ملموسة تتعلق بالخلفيات التي قد يبدو أن نظام أردوغان يستعد لاستخدامها في التحقيقات ضد قيادات المعارضة الحالية، فبالنسبة لـأكرم إمام أوغلو، يتم التركيز على خلفيته “السليمانية” (جماعة إسلامية ناشطة في المجال المدني) وعمله السابق في قناة “سامانيولو” الرياضية التابعة لحركة كولن، لعدة سنوات، وهي معلومات عامة لكن النظام يوظف الآن أوهن العلاقات مع الحركة في سياق جرمي.
أما بالنسبة لـأوزغور أوزل، فتشير المعلومات المتداولة في الإعلام إلى إقامته في سكن طلابي خلال سنوات دراسته الثانوية في مدينة إزمير، وهي الفترة التي شهدت توسعاً لنفوذ الحركة في تلك المؤسسات، مما يُستخدم لخلق رابط وهمي بالنشاط “السري”.
ويضيف أوسلو أن تهم “التجسس” وخدمة أجندات خارجية تُساق أيضاً ضد إمام أوغلو، خاصة بعد لقاءاته مع دبلوماسيين غربيين، وهي تهم تجد صدى لدى القاعدة القومية المتشددة.
استراتيجيات المواجهة: من الدفاع إلى الهجوم
يقترح أوسلو مخرجاً وحيداً لأوزل وإمام أوغلو لمواجهة هذه الضغوط، يتمثل في:
الرفض القاطع للغة النظام، بمعنى التوقف عن تبرئة أنفسهم باستخدام مصطلحات النظام، مثل “أنا لست من حركة كولن”، بل التأكيد على أن هذه التهم تُستخدم ضد كل من لا يبايع السلطة.
بناء تحالف ديمقراطي شرس: الاعتذار لضحايا المراسيم القانونية من شتى المجموعات، وبناء جسور مع القواعد المحافظة المتضررة من النظام، وعلى رأسها حركة كولن، بدلاً من الانكفاء داخل الأيديولوجيا القومية الضيقة.
الاستقلال الحزبي: يرى أوسلو أن على أوزل وإمام أوغلو التحرر من “إرث كليتشدار أوغلو” الذي وصفه بـ “العبء”، وتأسيس منصة سياسية تركز على العدالة والقانون لجميع الفئات دون استثناء.
خلاصة
يؤكد أمرَهْ أُوسلو أن اتهامات الانتماء لحركة كولن الموجهة لقيادات المعارضة هي مجرد ستار لهندسة انتخابات 2028 وضمان بقاء النظام عبر تحويل حزب الشعب الجمهوري إلى “حزب أليف” تحت وصاية كليتشدار أوغلو. ويرى أن النجاة السياسية للمعارضة تكمن في كسر حاجز الخوف، ورفض الرواية الرسمية للأحداث، والتحالف الصريح مع ضحايا المظالم القانونية لتغيير موازين القوى الشعبية.

