تناول الباحث الأكاديمي التركي سدات لاتشينر، قضية الوجود العسكري الإسرائيلي السري في العراق، مستعرضاً تداعياتها على السيادة العراقية وتوازنات القوى في الشرق الأوسط، وذلك من خلال رصد دقيق لواقعة ميدانية كشفت المستور خلف الرمال المتحركة في صحراء الأنبار.
شرارة الكشف: مأساة “عوّاد الشمري” في قلب الصحراء
في تحليل قدمه عبر قناته على يوتيوب، يستهل الباحث سدات لاتشينر طرحه بسرد قصة الشاب العراقي عوّاد الشمري، وهو بدوي يبلغ من العمر تسعة وعشرين عاماً، والذي قاده فضوله في الثالث من مارس إلى اكتشاف قاعدة عسكرية غامضة في منطقة صحراوية نائية غربي العراق. ووفقاً لرواية لاتشينر، شاهد الشمري مروحيات تهبط وتُقلع بانتظام داخل منطقة محاطة بأسلاك شائكة، تضم مدرجاً للهبوط وخياماً عسكرية ومعدات غير مألوفة، مع ملاحظته أن لغة التخاطب بين الجنود لم تكن العربية. ويشير الباحث إلى أن هذا الاكتشاف كان وبالاً على الشمري؛ فبينما كان يقود شاحنته في اليوم التالي، طاردته مروحية عسكرية وأمطرت مركبتة بوابل من الرصاص حتى تفحمت جثته تماماً، في محاولة واضحة لطمس معالم السر الذي عثر عليه.
ارتباك بغداد وهيمنة الظل الأمريكي
يوضح لاتشينر أن السلطات العسكرية المحلية في العراق تعاملت بجدية مع بلاغ الشمري الأولي، لكنها حين حاولت الاقتراب من الموقع تعرضت لقصف جوي أدى لمقتل جندي عراقي وإصابة آخرين، وتدمير آلياتهم. وعندما استفسرت رئاسة الأركان العراقية من الجانب الأمريكي، جاء الرد بنفي التبعية أو العلم بوجود تلك القاعدة.
ويرى الباحث التركي أن هذا النفي الأمريكي غير منطقي، نظراً لأن الأجواء العراقية تقع بالكامل تحت الرقابة الأمريكية، بل إن واشنطن أجبرت بغداد على إغلاق أنظمة الرادار الخاصة بها منذ بداية الصراع مع إيران بحجة حماية الطائرات الأمريكية.
ويذهب لاتشينر إلى أبعد من ذلك، واصفاً العراق بأنه دولة تفتقر للسيادة الحقيقية، حيث تُدار مواردها النفطية عبر حسابات في نيويورك، ولا تملك حرية شراء السلاح أو حتى بناء البنية التحتية دون إذن أمريكي، مما جعل صمت بغداد تجاه القواعد الإسرائيلية يبدو وكأنه “تمثيل لدور الميت” أو تواطؤ صامت.
خريطة القواعد الإسرائيلية وأدوارها العملياتية
بالاستناد إلى تقارير مسربة في الصحافة الأمريكية مثل “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز”، يؤكد لاتشينر أن الأمر لا يتوقف عند قاعدة واحدة، بل هناك قاعدتان على الأقل، وربما أكثر، تعملان منذ ما لا يقل عن عام كامل. ويشير الباحث إلى أن هذه المواقع استُخدمت بنشاط في المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران، بما في ذلك “حرب الـ 12 يوماً” في يونيو الماضي. وتتنوع وظائف هذه القواعد بين تقديم الدعم الجوي، وتزويد الطائرات والمروحيات بالوقود، وتنفيذ العمليات الاستخباراتية المغطاة، وتوفير الدعم الطبي الميداني، بالإضافة إلى كونها منصات محتملة لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ باتجاه العمق الإيراني أو دول الجوار.
إعادة قراءة الصراع: هل تقصف إسرائيل جيران العراق باسم إيران؟
يطرح سدات لاتشينر تساؤلات تحليلية مثيرة حول طبيعة الهجمات الصاروخية التي شهدتها المنطقة؛ فبينما يُنسب قصف المنشآت في السعودية ودول الخليج إلى وكلاء إيران، يرى الباحث أن وجود هذه القواعد الإسرائيلية يفتح الباب أمام فرضية أن تكون تلك الهجمات قد انطلقت من الداخل العراقي بواسطة إسرائيل لخلط الأوراق. كما يتطرق إلى حادثة الصواريخ الثلاثة التي استهدفت جنوب تركيا (منطقة إنجرليك) والتي اعترضها حلف “الناتو”، حيث نفت إيران صلتها بها، مما يدفع لاتشينر للتساؤل عما إذا كانت تلك الصواريخ قد أُطلقت من القواعد الإسرائيلية السرية في العراق لإحداث فتنة إقليمية.
لوجستيات التمدد وتحالفات الضرورة
يلفت الباحث النظر إلى الموقع الاستراتيجي لإحدى هذه القواعد في منطقة “النخيب”، التي تبعد عن العاصمة بغداد نحو 250 كيلومتراً فقط، مما يثير تساؤلات حول كيفية غيابها عن عين الجيش العراقي ما لم يكن هناك اتفاق سري. ومن الناحية الجغرافية، يوضح لاتشينر أن وصول المروحيات والمعدات الإسرائيلية إلى عمق العراق يتطلب حتماً استخدام الأجواء أو الأراضي السورية أو الأردنية، مما يوحي بوجود تنسيق أو غض طرف من أطراف إقليمية أخرى. ويربط الباحث هذا المشهد بتعاون إسرائيل العسكري الوثيق مع الإمارات، حيث كشف عن وجود أكثر من مائة جندي إسرائيلي هناك ونشر منظومات تشبه “القبة الحديدية”، تزامناً مع زيارات سرية لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى للمنطقة.
دلالات
يرى الباحث سدات لاتشينر أن إسرائيل لم تعد جسماً غريباً عن المحيط العربي، بل باتت تتغلغل في عمقه العسكري عبر “الباب الخلفي” الذي تفتحه الولايات المتحدة، مستغلة ضعف السيادة العراقية وتفكك التنسيق الإقليمي. إن تحول العراق إلى ساحة انطلاق للعمليات الإسرائيلية السرية يعيد تعريف مفهوم الصراع الإقليمي، ويحول أراضي الدول العربية إلى منصات لاستهداف بعضها البعض، وسط غياب تام للإرادة الوطنية المستقلة في مواجهة الأجندات الدولية.

