أصدر “مركز أمستردام للقانون” تقريراً تحليلياً موسعاً بشأن حكم “ياساك” الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الانتهاكات المرتكبة في تركيا بحق حق أتباع حركة الخدمة، مسلطاً الضوء على ما وصفه بتفاقم الإشكالية البنيوية في تعامل تركيا مع قرارات المحكمة.
ويشير التقرير إلى أن نمط عدم الامتثال لم يعد حالات فردية متفرقة، بل تطور إلى سلوك مؤسسي ممنهج يندرج ضمن نطاق المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ما يضع تركيا تحت رقابة مشددة من قبل لجنة وزراء مجلس أوروبا.
ويرى التقرير أن هذا الحكم لا يمثل مجرد إضافة قضائية، بل يعمّق من ثقل الملف التركي داخل مؤسسات مجلس أوروبا، ويزيد من تعقيد مسار الرقابة الدولية عليه.
مضمون تقرير مركز أمستردام للقانون
يقدم التقرير تقييماً حاداً لطبيعة عمل المنظومة القضائية في تركيا خلال العقد الأخير، مشيراً إلى أن الممارسات القضائية شهدت انحرافاً واضحاً عن المعايير القانونية الدولية. ويؤكد أن أنشطة يومية اعتيادية باتت تُفسَّر على أنها أعمال ذات طابع إرهابي، في إطار توسع كبير في مفهوم “الجريمة الإرهابية”.
كما يذهب التقرير إلى أن الجهاز القضائي لم يعد يؤدي وظيفة الحياد القانوني، بل أصبح — بحسب توصيفه — أداة لتجريم المعارضين وتفكيك جماعات اجتماعية بعينها، وهو ما يعكس تحولاً وظيفياً في دور القضاء.
الارتباط بحكم “يلتشينكايا” وتطوير المعايير القانونية
يربط التقرير بين حكم “ياساك” وحكم “يلتشينكايا ضد تركيا” الصادر عن الغرفة الكبرى في سبتمبر 2023، معتبراً أن الحكم الجديد لا يكتفي بتأكيد الإشكاليات السابقة، بل يذهب إلى تعميقها من خلال تطوير معيار قانوني جديد.
ويتمثل هذا التطور في إعادة تعريف عنصر “القصد الجنائي”، حيث شددت المحكمة على ضرورة تقييمه ضمن إطار زمني محدد ومقيد بدقة، بما يمنع استخدام أفعال سابقة — كانت مشروعة في وقتها — كأساس للإدانة لاحقاً.
هذا المبدأ يُعد تحولاً نوعياً في اجتهادات المحكمة، لأنه يفرض على القضاء الوطني إجراء تقييم فردي دقيق مرتبط بظروف الزمن والسياق القانوني للفعل.
الأثر القانوني للحكم داخل تركيا
يشدد التقرير على أن حكم “ياساك” يحمل طابعاً مبدئياً ملزماً، ما يعني ضرورة اعتماده كسابقة قضائية في المحاكم التركية على اختلاف درجاتها. ويؤكد أن القضايا الجارية يجب أن تُعاد دراستها في ضوء هذا الحكم، وأن الأحكام النهائية مرشحة لأن تُعرض مجدداً أمام المحكمة الأوروبية، مع احتمال صدور قرارات إدانة مماثلة، مشددا على وجود حاجة ملحة لإدخال تعديلات تشريعية وإجرائية تمنع تكرار الانتهاكات.
كما يبرز التقرير أهمية تفعيل آليات مثل إعادة المحاكمة كوسيلة لمعالجة آثار الانتهاكات السابقة.
موقف المؤسسات التركية وتصاعد الأزمة
يلفت التقرير إلى أن عدداً من الفاعلين داخل الدولة التركية، بما في ذلك جهات قضائية وسياسية، إضافة إلى المحكمة الدستورية، أبدوا رفضاً صريحاً للامتثال لحكم “يلتشينكايا”. ويعتبر أن حكم “ياساك” جاء ليؤكد تعارض هذا الموقف مع الالتزامات الدولية لتركيا.
هذا الرفض، بحسب التقرير، لم يعد مجرد خلاف قانوني، بل تحول إلى أزمة امتثال حقيقية تندرج ضمن أخطر صور الإخلال بالمادة 46، التي تلزم الدول بتنفيذ الأحكام النهائية للمحكمة.
آليات الرقابة الدولية والمهلة الزمنية
يوضح التقرير أن تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية يخضع لإشراف لجنة وزراء مجلس أوروبا، التي تملك صلاحيات متابعة وتقييم مدى التزام الدول. وفي هذا السياق تواجه تركيا حالياً مسار “رقابة معززة” نتيجة تكرار حالات عدم الامتثال، وطُلب منها تقديم خطة إصلاح شاملة تتضمن إجراءات هيكلية، تشمل تدريب القضاة، ومراجعة الاجتهادات القضائية، وإجراء إصلاحات تشريعية، وتفعيل سبل الانتصاف الداخلية.، علما أن شهر يونيو 2026 حُدد كموعد نهائي لتقديم هذه الخطة.
الأبعاد القانونية والحقوقية للحكم
يبرز حكم “ياساك” كأحد أكثر الأحكام تقدماً في اجتهاد المحكمة الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بتفسير المادة السابعة من الاتفاقية، التي تحظر العقوبات بأثر رجعي.
ويؤسس الحكم لمبدأ جوهري يتمثل في عدم جواز محاكمة الأفراد على أفعال كانت مشروعة وقت ارتكابها، وضرورة وجود تقييم فردي دقيق للقصد الجنائي، منع التوسع التعسفي في تفسير القوانين الجنائية.
وتكمن أهمية هذا المبدأ في كونه يمس مئات الآلاف من القضايا المرتبطة بأنشطة تعود إلى ما قبل عام 2016، ما يمنحه أثراً واسع النطاق داخل النظام القضائي التركي.
تطورات وسياق أوسع
في ضوء التطورات الأخيرة، يتزايد الضغط داخل مجلس أوروبا على الدول التي تُظهر أنماطاً متكررة من عدم الامتثال، مع توجه نحو استخدام أدوات أكثر صرامة، مثل إجراءات الإخلال الرسمية أو حتى العقوبات السياسية.
كما أن هذا الملف يتقاطع مع علاقات تركيا الأوروبية، خاصة في ظل التوترات المستمرة حول سيادة القانون واستقلال القضاء، وهو ما قد ينعكس على مجالات أوسع مثل التعاون السياسي والاقتصادي.
دلالات
يكشف هذا التقرير عن تحول نوعي في تعامل المحكمة الأوروبية مع القضايا التركية، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على الانتهاكات الفردية، بل امتد إلى تشخيص خلل بنيوي في المنظومة القضائية.
كما أن إدخال معيار “التقييد الزمني للقصد الجنائي” يمثل محاولة لإغلاق الباب أمام الاستخدام السياسي للقانون الجنائي، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الأوروبية لطبيعة الإشكاليات القائمة.
في المقابل، فإن استمرار موقف الرفض من جانب المؤسسات التركية قد يدفع نحو تصعيد قانوني ودبلوماسي غير مسبوق، خاصة إذا لم تُقدَّم إصلاحات ملموسة ضمن الإطار الزمني المحدد.
خلاصة
يشير حكم “ياساك” إلى تحول أزمة تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية في تركيا إلى مشكلة هيكلية عميقة تتطلب إصلاحات شاملة. كما يؤكد الحكم على ترسيخ معايير قانونية جديدة تحد من التوسع في التجريم بأثر رجعي وتعزز حماية الحقوق الأساسية.

