في خطوة تُعد من أكثر التحولات السياسية حساسية في المشهد التركي خلال السنوات الأخيرة، طرح زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي تصوراً جديداً لإدارة المرحلة التي تلي إعلان حل حزب العمال الكردستاني، داعياً إلى إنشاء آلية سياسية وتنظيمية تتيح لزعيمه المعتقل عبد الله أوجلان الاستمرار في التأثير على التنظيم بهدف ضمان استكمال عملية التفكيك ونزع السلاح بصورة كاملة.
التصريحات التي نُشرت عبر صحيفة “تورك غون” المقربة من حزب الحركة القومية، حملت ملامح مشروع سياسي وأمني متكامل يتجاوز الطرح الأمني التقليدي، إذ قدم بهتشلي رؤية مفصلة لما سماه “مرحلة تركيا الخالية من الإرهاب”، مقترحاً تأسيس بنية مؤسساتية جديدة تحت عنوان “منسقية عملية السلام والانتقال إلى العمل السياسي”.
أوجلان بوصفه “الزعيم المؤسس” للتنظيم
اللافت في خطاب بهتشلي أنه استخدم مراراً وصف “الزعيم المؤسس” لعبد الله أوجلان، معتبراً أن الأخير قام بما يترتب عليه خلال المرحلة الماضية، خاصة بعد الدعوات التي أطلقها في شباط/فبراير 2025 و2026 لصالح إنهاء العمل المسلح وتغليب المسار السياسي.
وبحسب الطرح الذي قدمه، فإن عملية السلام لا يمكن أن تكتمل من خلال إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه فقط، بل تحتاج أيضاً إلى خطوات مقابلة من جانب الدولة التركية، تشمل ترتيبات قانونية وإدارية وآليات متابعة ومراقبة وتنظيم سياسي وأمني طويل الأمد.
وأشار بهتشلي إلى أن تركيا حققت “تقدماً مهماً خلال فترة قصيرة” ضمن مشروع “تركيا بلا إرهاب”، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب “خطوات حاسمة” للوصول إلى النتيجة النهائية.
مقترح إنشاء “منسقية السلام والانتقال السياسي”
في قلب المبادرة الجديدة، وضع بهتشلي تصوراً لمنصب أو إطار تنظيمي يمنح أوجلان دوراً وظيفياً محدوداً داخل عملية إنهاء التنظيم.
وأوضح أن هذا المقترح لا يعني رفع العقوبة عنه أو إنهاء وضعه القانوني كسجين، بل منحه “صفة اجتماعية” تسمح له بمواصلة التأثير على العناصر المسلحة والتنظيمات المتفرعة عن حزب العمال الكردستاني، بهدف ضمان تنفيذ قرارات الحل ونزع السلاح بصورة كاملة ومنضبطة.
وبحسب التصور المطروح، فإن “منسق السلام والانتقال السياسي” سيكون مسؤولاً عن التواصل مع كوادر التنظيم وفروعه الإقليمية، ومنع الانقسامات الداخلية أو ظهور تشكيلات جديدة قد تعيد إنتاج العمل المسلح بأسماء مختلفة.
كما شدد بهتشلي على أن هذه الصفة لا تمنح أوجلان موقعاً قومياً أو تمثيلياً للكرد، ولا تعني الاعتراف به زعيماً سياسياً للأكراد في تركيا، بل تقتصر حصراً على إدارة تفكيك البنية التنظيمية لحزب العمال الكردستاني.
مقارنة بتجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي
استند بهتشلي في دفاعه عن هذا الطرح إلى تجارب دولية، وعلى رأسها تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي في بريطانيا الشمالية.
وأشار إلى أن عملية السلام مع الجيش الجمهوري الإيرلندي امتدت لسنوات طويلة، رغم اتفاقات وقف إطلاق النار المتكررة، وأن وجود قيادة مركزية موحدة ساهم في إنجاح عملية التفكيك السياسي والعسكري.
كما حذر من احتمال ظهور تشكيلات منشقة شبيهة بتنظيم “الجيش الجمهوري الإيرلندي الحقيقي”، إذا لم يتم الحفاظ على مركزية القرار داخل حزب العمال الكردستاني خلال مرحلة التفكيك.
وفي هذا السياق، اعتبر أن استمرار قدرة أوجلان على التأثير داخل البنية التنظيمية يشكل عاملاً أساسياً لمنع الانشقاقات ومنع القوى الإقليمية والدولية من إعادة توظيف بعض الأجنحة المسلحة في صراعات جديدة داخل المنطقة.
قلق من التدخلات الإقليمية والدولية
ربط بهتشلي مشروعه أيضاً بالتطورات الجارية في سوريا والعراق وإيران، معتبراً أن البيئة الإقليمية المعقدة تفرض على أنقرة التحرك بسرعة وحسم.
وادعى أن الولايات المتحدة قدمت دعماً وتسليحاً لعناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني داخل إيران، معتبراً أن ذلك يكشف حجم المخاطر المرتبطة ببقاء البنية العسكرية للتنظيم قائمة ولو جزئياً.
كما أشار إلى أن إسرائيل وبعض الدول الأوروبية تسعى، وفق رؤيته، إلى توظيف الانقسامات الإثنية والطائفية في المنطقة، الأمر الذي يجعل إنهاء ملف حزب العمال الكردستاني بصورة كاملة “أولوية استراتيجية” بالنسبة لتركيا.
آلية مؤسساتية جديدة داخل الدولة
ضمن خارطة الطريق المقترحة، دعا بهتشلي إلى إنشاء منظومتين مؤسساتيتين جديدتين لمتابعة المرحلة المقبلة.
الأولى داخل البرلمان التركي، عبر لجنة تضم مختلف الأحزاب السياسية لمراقبة مسار “تركيا بلا إرهاب” ومتابعة التطورات التشريعية والسياسية المتعلقة بها.
أما الثانية فتكون داخل السلطة التنفيذية، برئاسة نائب الرئيس التركي، وتضم وزارات العدل والداخلية والدفاع والخزانة والأسرة، إلى جانب جهاز الاستخبارات.
وبحسب الطرح، سينشأ أيضاً داخل هذه المنظومة “مركز تنسيق الدولة لمكافحة الإرهاب”، ليكون الجهة المركزية المسؤولة عن إدارة التواصل والإعلام والمتابعة الأمنية والسياسية.
كما شدد بهتشلي على ضرورة منع “فوضى تعدد القنوات”، معتبراً أن وجود مركز قرار واحد سيقلل من مخاطر الاستفزازات والتلاعب الإعلامي والتدخلات الخارجية.
تبرير سياسي وفكري لدور أوجلان
خصص بهتشلي جزءاً واسعاً من طرحه لتفسير أهمية “الزعيم المؤسس” داخل التنظيمات المسلحة من منظور علم السياسة.
واعتبر أن الزعامات الكاريزمية في التنظيمات الأيديولوجية لا تلعب دوراً عسكرياً فقط، بل تمثل مركزاً رمزياً للعقيدة والولاء والهوية التنظيمية، ما يجعلها مفتاحاً أساسياً في عمليات التفكيك أو التحول السياسي.
وأشار إلى أن كثيراً من التنظيمات المسلحة التي فقدت مركزية القيادة تحولت لاحقاً إلى مجموعات أكثر تطرفاً وعنفاً، وهو ما يسعى المشروع الجديد إلى تجنبه.
“تركيا بلا إرهاب” كمشروع سياسي شامل
بهتشلي حاول تقديم المبادرة الجديدة باعتبارها مشروعاً وطنياً يتجاوز الجانب الأمني.
فبحسب رؤيته، فإن إنهاء الإرهاب يجب أن يفتح الباب أمام مرحلة أوسع من الديمقراطية والاستقرار والتنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي.
وأكد أن المشروع لا يستهدف “السلام مع الإرهاب”، بل القضاء النهائي على العنف والانقسامات الإثنية والطائفية، وإعادة دمج الحياة السياسية ضمن إطار ديمقراطي ومدني.
كما دعا إلى توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز التمثيل الديمقراطي، وإنهاء ثقافة العنف السياسي، معتبراً أن “السياسة يجب أن تصبح البديل الوحيد للسلاح”.
إشارات إلى دمج القوى الكردية في الحياة السياسية
ضمنياً، حملت الوثيقة إشارات إلى ضرورة تطوير الحياة السياسية الكردية داخل تركيا بعيداً عن العمل المسلح.
وأشار بهتشلي إلى أن الأحزاب والتيارات السياسية الكردية يجب أن تتحول إلى قوى “وطنية تركية” تعمل ضمن النظام الديمقراطي التركي، على غرار تجربة حزب “شين فين” الإيرلندي.
كما أكد أن الهدف ليس خلق قيادة إثنية جديدة، بل دمج المطالب السياسية ضمن إطار وطني جامع يقوم على مفهوم “الجميع متساوون داخل تركيا”.
تحول تاريخي في خطاب الحركة القومية
تمثل تصريحات بهتشلي تطوراً استثنائياً بالنظر إلى الخلفية التاريخية لحزب الحركة القومية، المعروف تقليدياً بمواقفه المتشددة تجاه القضية الكردية وحزب العمال الكردستاني.
ويرى مراقبون أن مجرد الحديث عن منح أوجلان دوراً منظماً داخل عملية سياسية يمثل انقلاباً عميقاً في الخطاب القومي التركي التقليدي، ويعكس إدراكاً متزايداً داخل الدولة التركية بأن إنهاء الصراع الممتد منذ عقود يتطلب مقاربة سياسية وتنظيمية معقدة، لا تقتصر على الحل الأمني فقط.
كما تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي شديد الحساسية، مع استمرار التحولات في سوريا والعراق، وتزايد الحديث داخل تركيا عن إعادة رسم التوازنات الداخلية والإقليمية في مرحلة ما بعد الصراع المسلح.
الخلاصة
يكشف طرح دولت بهتشلي عن انتقال واضح داخل مؤسسات الدولة التركية نحو مقاربة سياسية ـ تنظيمية لإغلاق ملف حزب العمال الكردستاني، تقوم على إدارة تفكيك التنظيم بدلاً من الاكتفاء بالمواجهة العسكرية.
كما تعكس الدعوة لمنح عبد الله أوجلان دوراً وظيفياً محدوداً حجم التحول الذي يشهده الخطاب القومي التركي في مقاربته للقضية الكردية ومستقبل الصراع الداخلي.

