أعلنت شركة “إنركون” الألمانية، المتخصصة في تصنيع توربينات الرياح، عن خطة لإنشاء مصنع لإنتاج شفرات التوربينات في منطقة برغاما التابعة لولاية إزمير غرب تركيا، باستثمار يُقدّر بنحو خمسين مليون يورو، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الدولي بالسوق التركية في مجال الطاقة المتجددة.
ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو سبعمئة فرصة عمل مباشرة، إلى جانب فرص إضافية غير مباشرة عبر سلاسل التوريد المحلية، ما يعزز الأثر الاقتصادي للمشروع على مستوى الإقليم.
قدرات إنتاجية موجهة للسوق المحلي ثم التصدير
بحسب ما أعلنته الشركة خلال مؤتمر طاقة الرياح التركي، تستهدف المنشأة الجديدة بدء التشغيل في الربع الأخير من عام 2026. وفي مرحلتها الأولى، ستنتج ما يصل إلى مئة وخمسين مجموعة من شفرات التوربينات سنويًا.
وسيُخصص الإنتاج في البداية لتلبية الطلب داخل تركيا، قبل التوجه لاحقًا إلى التصدير نحو أسواق أوروبا الشرقية والجنوبية، ما يعكس رؤية تدريجية تجمع بين تلبية الاحتياجات المحلية والانخراط في سلاسل التوريد الإقليمية.
دوافع الاستثمار: متطلبات المحتوى المحلي والسوق الاستراتيجية
أوضح هايكو يوريتس، المدير التنفيذي للعمليات وعضو مجلس إدارة “إنركون”، أن إنشاء المصنع يأتي استجابة لمتطلبات المحتوى المحلي المفروضة ضمن مناقصات طاقة الرياح البرية في تركيا، والتي تشجع على توطين الصناعة المرتبطة بالطاقة المتجددة.
وأشار إلى أن الشركة تستهدف رفع عدد موظفيها في تركيا إلى أكثر من ألف موظف، مؤكدًا أن السوق التركية تُعد من الأسواق الاستراتيجية الرئيسية للشركة على المدى الطويل.
كما لفت إلى أن إنتاج مكونات التوربين المتطور من طراز E-175 EP5 E2 داخل تركيا يعكس ثقة الشركة في آفاق النمو المستقبلي للقطاع.
توربينات الجيل الجديد: مواصفات تقنية متقدمة
يُعد طراز E-175 EP5 E2 من أبرز منتجات “إنركون” الحديثة في مجال طاقة الرياح البرية، إذ تصل قدرته الإنتاجية إلى سبعة ميغاواط، مع قطر دوّار يبلغ مئة وخمسة وسبعين مترًا، ما يضعه ضمن فئة التوربينات الأكبر حجمًا في أوروبا.
وقد أبرمت الشركة بالفعل عقود توريد في تركيا تتجاوز قدرتها الإجمالية ثلاثمئة وسبعين ميغاواط، ما يعزز الحاجة إلى قاعدة تصنيع محلية لدعم هذه المشاريع.
موقع تركيا في استراتيجية الطاقة المتجددة
يأتي هذا الاستثمار في سياق توجه تركي متسارع نحو توسيع حصة الطاقة المتجددة، خاصة طاقتي الرياح والشمس، ضمن خطة طموحة تمتد حتى عام 2035، تستهدف الوصول إلى قدرة مركبة تبلغ مئة وعشرين ألف ميغاواط، أي ما يقارب أربعة أضعاف القدرة عند إطلاق الخطة.
وتشير تقديرات وزارة الطاقة إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات تقارب ثمانين مليار دولار، مع ضرورة إضافة ما بين سبعة آلاف وخمسمئة إلى ثمانية آلاف ميغاواط سنويًا من القدرات الجديدة.
كما تعتزم الحكومة طرح مناقصات سنوية لا تقل عن ألفي ميغاواط ضمن نموذج مناطق الطاقة المتجددة (YEKA)، الذي يربط بين الإنتاج وتوطين الصناعة.
أداء قطاع الرياح: نمو متسارع وتوزيع جغرافي
شهد قطاع طاقة الرياح في تركيا أداءً قياسيًا خلال عام 2025، حيث تمت إضافة أكثر من ألفي ميغاواط، لترتفع القدرة الإجمالية إلى نحو خمسة عشر ألفًا وتسعمئة وأربعة وثلاثين ميغاواط بحلول مطلع 2026، بزيادة تفوق خمسة عشر بالمئة مقارنة بالعام السابق.
وتتصدر منطقة مرمرة من حيث القدرة المركبة، تليها منطقة بحر إيجة التي تضم إزمير وبرغاما، ما يجعل موقع المصنع الجديد متوافقًا مع أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة ومعدات الرياح في البلاد.
فجوة بين القدرة المركبة والإنتاج الفعلي
رغم التوسع في قدرات الطاقة المتجددة، لا تزال مساهمتها في إنتاج الكهرباء أقل من حصتها في القدرة المركبة. إذ شكّل الفحم نحو ثلث إنتاج الكهرباء في 2025، يليه الغاز الطبيعي، بينما بلغت مساهمة الرياح نحو أحد عشر بالمئة، والطاقة الشمسية نحو عشرة بالمئة.
هذا التفاوت يعكس تحديات تتعلق بعوامل التشغيل والتخزين واستقرار الشبكة، وهي قضايا تعمل أنقرة على معالجتها بالتوازي مع التوسع في الإنتاج.
التصنيع المحلي كركيزة للتحول الطاقوي
تركّز الاستراتيجية التركية على تطوير قاعدة صناعية محلية لمكونات الطاقة المتجددة، بما يشمل الأبراج والشفرات والمولدات، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الطاقوي.
وتُعد إزمير ومحيطها أحد أبرز مراكز تصنيع معدات الرياح في تركيا، ما يمنح مشروع “إنركون” أفضلية لوجستية وصناعية، ويعزز اندماجه في شبكة الموردين المحليين.
تقاطع الاستثمار الصناعي مع السياسة الطاقوية
يعكس هذا المشروع تلاقي مصالح متعددة؛ فمن جهة، تسعى الشركات الأوروبية إلى توسيع حضورها في أسواق نامية ذات طلب مرتفع، ومن جهة أخرى، تعمل تركيا على استقطاب استثمارات نوعية تدعم استقلالها الطاقوي.
كما أن اشتراطات المحتوى المحلي تبدو أداة فعالة لربط الاستثمار الأجنبي بنقل التكنولوجيا وبناء قدرات صناعية داخلية، بدل الاكتفاء بالاستيراد.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية في أسواق الطاقة، خاصة بعد اضطرابات الإمدادات العالمية، تبرز تركيا كمركز إقليمي محتمل لتصنيع وتصدير تقنيات الطاقة النظيفة، لا سيما باتجاه أوروبا.
خلاصة
مشروع “إنركون” في إزمير يمثل خطوة جديدة في مسار توطين صناعة طاقة الرياح في تركيا، ويعكس تحول البلاد إلى مركز إنتاج إقليمي للطاقة المتجددة ومعداتها.
الاستثمار يجسد تداخلاً بين الأهداف الصناعية والطاقوية، في سياق سعي تركي لتقليل الاعتماد الخارجي وتعزيز موقعه في سوق الطاقة النظيفة.

