وقّعت تركيا وبلجيكا في أنقرة خطاب نوايا للتعاون في الصناعات الدفاعية، في خطوة تُعد أبرز مخرجات الشق الأمني من بعثة اقتصادية بلجيكية رفيعة المستوى انتقلت من إسطنبول إلى العاصمة التركية.
جاء التوقيع عقب محادثات ثنائية وموسعة بين وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره البلجيكي وزير الدفاع والتجارة الخارجية ثيو فرانكن، الذي استُقبل بمراسم عسكرية رسمية في مقر وزارة الدفاع التركية.
وشمل الاتفاق وزارة الدفاع التركية، ورئاسة الصناعات الدفاعية، ونظيرتها البلجيكية، ما يعكس توجهاً نحو إرساء إطار مؤسسي للتعاون الدفاعي بين البلدين.
مهمة متعددة الأبعاد: اقتصاد وأمن وتكنولوجيا
تندرج هذه الخطوة ضمن بعثة اقتصادية تقودها ملكة بلجيكا ماتيلد، وتستهدف تعزيز الشراكة الثنائية في قطاعات استراتيجية تشمل الدفاع، والطيران، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، والصناعات الدوائية وعلوم الحياة.
وأفاد بيان مشترك لوزارتي الخارجية في البلدين أن البعثة، الممتدة بين العاشر والرابع عشر من مايو، ضمت أكثر من أربعمئة ممثل عن الحكومات الفيدرالية والإقليمية البلجيكية، إضافة إلى شركات واتحادات وغرف تجارة ومؤسسات أكاديمية. وشهدت تنظيم ندوات قطاعية ولقاءات مكثفة بين الشركات والحكومات لتعزيز فرص الاستثمار والتكامل الصناعي.
مخرجات الاتفاقات والتفاهمات
أسفرت الزيارة عن توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، شملت مجالات التنقل، والتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، والحماية الاجتماعية، وسلامة المنتجات الغذائية الزراعية.
وأكد البيان المشترك أن تركيا وبلجيكا شريكان تاريخيان وعضوان في حلف شمال الأطلسي، وأن هذه الزيارة تمثل خطوة نحو علاقات سياسية أكثر تنظيماً وتقارباً، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. كما شدد الجانبان على أهمية الاستقرار الدولي، وعلى ضرورة تطوير العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
البعد الأوروبي: تحديث الاتحاد الجمركي
أعاد الطرفان التأكيد على أهمية تحديث الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، الذي يعود إلى عام 1996 ويقتصر على السلع الصناعية والمنتجات الزراعية المصنعة، دون أن يشمل الخدمات أو المشتريات العامة أو معظم التجارة الزراعية. وتدعم بلجيكا، وفق التصريحات الرسمية، الدفع نحو مفاوضات بنّاءة لتحديث هذا الإطار وتسهيل حركة الأعمال والأفراد ضمن معايير الاتحاد الأوروبي.
لقاءات سياسية رفيعة في أنقرة
تزامناً مع المحادثات الدفاعية، عقد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اجتماعاً مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، حيث جرى بحث آفاق التعاون السياسي والاقتصادي. كما شمل برنامج الوفد زيارة ضريح مصطفى كمال أتاتورك (أنيت كابير)، بمشاركة عدد من كبار المسؤولين البلجيكيين.
من إسطنبول إلى أنقرة: مسار البعثة
انطلقت البعثة في إسطنبول عبر منتديات أعمال وزيارات ميدانية، شملت زيارة مقر البنك المركزي في مركز إسطنبول المالي، بحضور وزير المالية التركي محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي فاتح قراهان، إلى جانب وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية ماهينور أوزدمير غوكطاش.
كما زارت الملكة شركة “بايكار” المتخصصة في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيرة، والتقت الرئيس رجب طيب أردوغان، قبل انتقال الوفد إلى أنقرة لاستكمال الشق السياسي والأمني من الزيارة.
تعزيز التجارة والاستثمار
سبق توقيع الاتفاق الدفاعي إعلان مشترك في إسطنبول بين وزيري التجارة في البلدين، يهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري من 9.3 مليار دولار في عام 2025 إلى 15 مليار دولار. ودعا الجانب التركي إلى دعم بلجيكي لتحديث الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية البلجيكي تركيا بأنها “حارس الجناح الجنوبي الشرقي لأوروبا”، مشيراً إلى موقعها الاستراتيجي داخل الناتو، وكونها تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف. كما أكد التزام بلاده بمواصلة زيادة الإنفاق الدفاعي بعد بلوغ نسبة 2% من الناتج المحلي.
صعود الصناعات الدفاعية التركية
تأتي هذه الشراكة في ظل توسع ملحوظ في الصناعات الدفاعية التركية، التي باتت تشمل الطائرات المسيرة، والمركبات المدرعة، والأنظمة البحرية، وتقنيات الاستشعار، والطيران العسكري. ووفق تصريحات رسمية، ارتفعت صادرات هذا القطاع من 248 مليون دولار في مطلع الألفية إلى أكثر من 10 مليارات دولار في عام 2025، ما وضع تركيا في المرتبة الحادية عشرة عالمياً في تصدير المنتجات الدفاعية.
كما أبدت بلجيكا اهتماماً متزايداً بالاندماج في هذا النظام الصناعي المتطور، بما يعكس تحولاً في أنماط التعاون داخل الناتو نحو شراكات صناعية وتقنية أعمق.
دلالات
يعكس هذا التقارب تحول العلاقات التركية الأوروبية من إطار سياسي متوتر إلى مسار براغماتي قائم على المصالح، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا. كما يشير إلى إدراك أوروبي متزايد لأهمية تركيا في معادلات الأمن الإقليمي، لا سيما في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
في المقابل، تسعى أنقرة إلى توظيف هذا الانفتاح لتعزيز موقعها داخل المنظومة الغربية دون التخلي عن استقلالية قرارها الاستراتيجي، وهو توازن دقيق ينعكس في تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية.
الخلاصة
الاتفاق الدفاعي يعكس انتقال العلاقات التركية البلجيكية إلى مستوى أكثر استراتيجية وتكاملاً. كما يؤكد صعود الصناعات الدفاعية التركية كأداة نفوذ في العلاقات الدولية.

