يرى الكاتب والباحث الأكاديمي التركي كريم بالجي أن هناك “شبحاً” متعدد الأوجه يطوف في سماء أوروبا، يتغذى على كراهية الأجانب، ورهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا)، ومعاداة المهاجرين. هذا الشبح، الذي انبثق من أزمات الهوية في مرحلة ما بعد الإمبراطورية، لا يسعى فقط لتعطيل التصميم الحالي للعالم، بل يهدف إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي —الذي يعتبره بالجي أحد أنجح مشاريع السلام في التاريخ الإنساني— وجعل النظام الدولي القائم على القواعد، والذي تأسس بعد حربين عالميتين، عديم المعنى.
تمدد اليمين الراديكالي وتآكل الحقوق القانونية
في مقاله بموقع (TR724) الإخباري التركي، يحلل بالجي طبيعة هذا التيار اليميني المتصاعد بوصفه تياراً “ارتكاسياً” لا يحتاج إلى منطق أو اتساق داخلي لكي ينمو؛ فهو لا يطرح مشروعاً للبناء بل يركز على التخريب، ولا تضره التناقضات الصارخة في مخاوفه غير العقلانية. ويشير الباحث إلى أن هذا “الشبح” يتخذ أشكالاً متباينة؛ فقد يظهر كحزب سياسي يدفع الأجندة الوطنية نحو اليمين المتطرف، أو كأعمال تخريبية تستهدف الفنادق التي تأوي اللاجئين والمساجد والمراكز الثقافية، أو حتى كمقالات رأي تحول العداء للإسلام إلى شكل من أشكال “حرية التعبير” عبر الديماغوجية.
ويستعرض بالجي أمثلة عينية على هذا التغول التشريعي، ففي المملكة المتحدة، وبضغط من حزب “إصلاح بريطانيا ” (Reform UK)، تتجه الحكومة لإطالة فترة انتظار المهاجرين للحصول على الجنسية لتتجاوز العشرين عاماً، والمفارقة هنا أن هذا يحدث في ظل برلمان يضم أكبر عدد من المسلمين والمهاجرين والنساء في تاريخه، بل ويتم تنفيذ هذه السياسات عبر وزيرة من الجيل الثاني للمهاجرين. وفي السياق ذاته، رفعت السويد مدة الانتظار من خمس سنوات إلى ثماني، بينما سنت دول أخرى قوانين تقيد وصول المهاجرين للمساعدات الاجتماعية، وتسهل سحب الجنسية، وتفرض فيتو على تأشيرات مواطني الدول التي تصدر الهجرة.
نقد الاستراتيجيات الإسلامية الحالية: فخ الانتظار والتركيز الأحادي
ينتقد كريم بالجي بشدة عقلية “الانتظار” التي تسود بين المسلمين في الغرب، والذين يعتبرون الصعود اليميني مجرد موجة شعبوية عابرة ستنتهي بصناديق الاقتراع. ويصف بالجي هذا الموقف بـ”الخطأ الأكبر”، معتبراً أن المراهنة على المؤسسات القانونية والاتفاقيات الدولية لحماية الحقوق تلقائياً دون جهد نشط هي نوع من “الساذجة”؛ لأن القوانين والأنظمة تعكس بطبيعتها تراتبية القوة، والمستهلكون لهذه القوانين لا يمكنهم نيل العدالة إلا بقدر صدق واضعيها ومنفذيها.
كما يسلط الباحث الضوء على مشكلة “التركيز الأحادي” في المشاركة السياسية للمسلمين، حيث تظل قضاياهم مرتبطة غالباً ببلدانهم الأصلية. فرغم مشروعية الاهتمام بمآسي مثل ما يحدث في فلسطين، إلا أن بالجي يرى أن استغراق العقل المسلم في هذه القضايا بشكل كلي يستنزف طاقته الفكرية ويمنعه من تقديم حلول لمشاكل المجتمعات التي يعيش فيها. ويضرب مثالاً بالاحتجاجات المتبادلة بين المعارضين والمؤيدين للنظام الإيراني في شوارع لندن، واصفاً إياهم بـ”المفارقة التاريخية ” (Anachronism)؛ فهم يعيشون في قلب بروكسل لكنهم يستمدون توقعاتهم من القنوات الإخبارية في بلدانهم الأصلية، دون تقديم أي إرادة للحل في مجتمعهم الحالي.
استراتيجية “عدم القابلية للاضطهاد”: رؤية مستقبلية
يطرح كريم بالجي مفهوم “استراتيجية عدم القابلية للاضطهاد” كضرورة شرعية وحضارية نابعة من الرؤية الكونية الإسلامية. فالمسلم في نظره لا يظلم، ولكنه أيضاً يجب ألا يسمح بوقوع الظلم عليه أو على الطبيعة أو على الأجيال القادمة. ولتحقيق ذلك، يقترح بالجي التحول من “التكتيكات المؤقتة” إلى استراتيجية شاملة تتضمن النقاط التالية:
- الاختراق التشريعي الشامل: يجب على المسلمين التواجد في كل مفاصل صناعة القرار، بدءاً من مراكز الأبحاث الجامعية وشركات اللوبي، وصولاً إلى المجالس المحلية والبرلمانات، وصياغة العقائد القانونية.
- إنتاج المعرفة والسياسات: ضرورة تأسيس مراكز فكرية تنتج أبحاثاً وتقارير ومقترحات قوانين تتعلق بالهجرة، والاندماج، والإنتاج الثقافي العالي، لضمان أن يكون المسلمون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.
- الانفتاح الثقافي والمعماري: ينتقد بالجي إصرار المسلمين على عمارة مساجد تتناقض مع المحيط الأوروبي دون فتح أبوابها للزوار، ويدعو إلى تحويل المناسبات الدينية إلى فرص لبناء الصداقات مع المجتمع “اللاديني” أو غير المسلم، بدلاً من بقاء الاحتفالات منغلقة داخل الميادين.
- علاج العنصرية بفعل استراتيجي: يشدد بالجي على أن العنصرية “مرض اجتماعي”، لكن علاجها لا يمكن انتظاره من العناصر المريضة نفسها، بل يجب على “العقول السليمة” وضع استراتيجية طويلة الأمد.
يختتم الباحث تحليله بالتحذير من ركن “الاستسلام للقدر” أو تبرير المظالم والانتهاكات بالقول إنها “تزيد الاهتمام بالإسلام”، معتبراً أن الرضا بالشر هو خطيئة، وأن الأحاديث النبوية المتعلقة بآخر الزمان لم ترد لتثبيط العزائم، بل لاستنهاض الهمم واتخاذ التدابير والحذر الاستراتيجي.
الخلاصة: يؤكد كريم بالجي أن بقاء المسلمين في الغرب مرهون بالانتقال من دور “الضحية المنتظرة” إلى “الفاعل التشريعي”، عبر استراتيجية تحصن الحقوق وتجعل الاضطهاد مستحيلاً بنيوياً. إن الاندماج الحقيقي يتطلب اعتبار تاريخ ومشاكل أوروبا جزءاً من هوية المسلم المقيم فيها، مع بناء مؤسسات فكرية تفرض أجندتها في قلب مراكز صناعة القرار.

