في خطوة تعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الفترات غموضاً في التاريخ التركي الحديث، وجه النائب عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد، عمر فاروق جرجرلي أوغلو، استجواباً برلمانياً حازماً إلى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش. وتتمحور هذه المساءلة حول مصير تقرير لجنة التحقيق البرلمانية الذي أُعد في أعقاب محاولة انقلاب 15 يوليو 2016، والذي ظل حبيس الأدراج ولم يخرج للنور رغم مرور قرابة عقد من الزمان على أحداث غيرت وجه القضاء والسياسة في البلاد.
تساؤلات حول شفافية المسار القانوني والإداري
تضمن الاستجواب الذي قدمه جرجرلي أوغلو أربعاً وعشرين نقطة تفصيلية، تهدف إلى استيضاح الأسباب القانونية والإدارية التي حالت دون نشر نتائج التحقيقات للعلن. وتساءل النائب عما إذا كان التقرير مدرجاً بالفعل ضمن سجلات البرلمان، وتاريخ تسليمه رسمياً لمكتب الرئاسة، مع المطالبة بالكشف عن كافة المرفقات، والمراسلات، والمحاضر، وحتى الآراء المخالفة التي تم تهميشها. كما ركز الطلب على ضرورة إصدار مذكرة زمنية توضح مسار التقرير منذ نشأته، وما إذا كان هناك قرار سري يقضي بمنع تداوله.
جدار الصمت ورفض الشهادات المفصلية
يأتي هذا التحرك البرلماني ليعيد نكء جراح التشكيك في نزاهة عمل اللجنة الأصلية، حيث أشار جرجرلي أوغلو إلى أن سير التحقيقات شابه الكثير من اللغط. ففي الوقت الذي كان فيه الشارع التركي ينتظر جلاء الحقائق، رُفضت طلبات جوهرية كان من شأنها تغيير مجرى الفهم العام للأحداث، ومن أبرزها: رفض جعل الجلسة الأولى للجنة مفتوحة أمام وسائل الإعلام. والامتناع عن استدعاء قيادات الدولة العليا في ذلك الوقت، بمن فيهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، بالإضافة إلى رئيس الأركان خلوصي آكار ومدير المخابرات هاكان فيدان، وتجاهل الطلبات المتعلقة بمراجعة سجلات الطيران والاتصالات الهاتفية للمسؤولين السياسيين والعسكريين في ليلة الانقلاب.
تضارب الروايات بين رئاسة اللجنة وسجلات البرلمان
تكشف المصادر عن هوة عميقة في الروايات الرسمية؛ فبينما يؤكد رئيس اللجنة السابق والنائب السابق عن حزب العدالة والتنمية، رشاد بيتك، أنه سلم التقرير كاملاً لرئيس البرلمان آنذاك إسماعيل كهرمان، تظهر السجلات الرقمية للبرلمان أن اللجنة لم تقدم تقريرها أبداً. هذا التناقض يضع المسؤولية التاريخية والإدارية في مهب الريح، ويعزز فرضية التستر المتعمد على ثغرات في الرواية الرسمية.
إعادة قراءة في دور القيادات العسكرية
تشكل شخصية خلوصي آكار، رئيس الأركان إبان المحاولة، حجر الزاوية في الرواية التي لم يُسمح باختبارها بشكل كامل. فبينما تصوره الرواية الحكومية كرهينة لدى الانقلابيين، ظهرت شهادات مناقضة، منها ما أدلى به مستشاره السابق أورخان يكيلكان أمام المحكمة في عام 2025، مؤكداً أن آكار كان لا يزال يصدر الأوامر من المقر العسكري، وأنه تواصل مع الحرس الرئاسي في مرمريس. كما أشارت وثائق استخباراتية مسربة إلى إدراج اسم آكار كرئيس لـ “مجلس السلام في الوطن” (الاسم الذي أطلقه الانقلابيون على أنفسهم، بحسب المزاعم، لكن المحكمة أكدت عدم وجود مجلس بهذا الاسم)، مما يعزز شكوك النقاد الذين يرون أن العملية برمتها قد تكون “مدارة” أو مصممة للفشل لتمهيد الطريق لعمليات التطهير الواسعة التي أعقبتها.
التداعيات الهيكلية والمجتمعية المستمرة
لقد كانت محاولة الانقلاب ذريعة لإطلاق واحدة من أكبر حملات القمع في تاريخ تركيا المعاصر، استهدفت بشكل أساسي حركة كولن، التي تصنفها أنقرة كمنظمة إرهابية منذ قبيل الانقلاب، وهو تصنيف لا يحظى باعتراف دولي واسع. وبناءً على هذه الرواية التي يلفها الغموض، تعرض مئات الآلاف للتحقيقات وفُصل عشرات الآلاف من وظائفهم، فيما يصفه المعارضون بأنه حملة اضطهاد سياسي تهدف إلى ترسيخ السلطة وإسكات الأصوات المعارضة تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
خلاصة
تعد المطالبة الحالية بكشف تقرير انقلاب 2016 محاولة لكسر احتكار السلطة للرواية التاريخية، وسط مؤشرات متزايدة على وجود فجوات عمدية تهدف لإخفاء حقيقة الأدوار التي لعبتها القيادات العليا في تلك الليلة.

