في قراءة دبلوماسية ثاقبة، يرى عمر مراد، الدبلوماسي التركي السابق، أن المشهد الدولي الراهن يمرّ بزلزال هيكلي عميق، تتشكّل ملامحه من ثلاثة تحوّلات متزامنة ومتشابكة: أولها الورطة العسكرية الأمريكية في إيران التي كشفت هشاشة المنظومة الدفاعية للقوة العظمى وأطلقت العنان لطموحات منافسيها؛ وثانيها حرب التعريفات الجمركية التي يشنّها دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين وعلى بكين في آنٍ واحد، مما يُسرّع انحلال نظام التجارة الحرة الذي قامت عليه العولمة؛ وثالثها، وهو الأخطر، ظهور كتل اقتصادية وأمنية مغلقة تدور كلٌّ منها حول ثقلها الخاص: كتلة صينية المحور، وكتلة أوروبية تتحصّن خلف جدران “أوروبا القلعة”، وكتلة أمريكية تبحث عن تموضع جديد.
في هذا السياق، لا تملك القوى المتوسطة ترف التردد ولا رفاهية الحياد، إذ باتت ساحات المناورة الرمادية التي اعتاشت عليها دول كتركيا تضيق بشكل متسارع.
وهم “الطريق الثالث” وحسابات أنقرة الخاطئة
يُجادل مراد بأن السردية التي يُروّج لها أردوغان، القائلة بأن أوروبا تحتاج إلى تركيا أكثر مما تحتاج تركيا إلى أوروبا، تنطوي على مغالطة استراتيجية خطيرة. صحيح أن الأهمية الجيوسياسية لأنقرة حقيقية وملموسة، لا سيما في ملفات الأمن الإقليمي وإدارة تدفقات الهجرة وعبور الطاقة، غير أن هذه الأوراق لا تكفي وحدها لإخفاء التفاوت البنيوي الحاد في موازين الاعتماد المتبادل.
الأرقام في هذا السياق أبلغ من أي خطاب: يستقبل الاتحاد الأوروبي ما نسبته 41.3 بالمئة من إجمالي الصادرات التركية، فيما تُغطي واردات تركيا من الكتلة الأوروبية 31.5 بالمئة من احتياجاتها الاستيرادية. وإلى جانب ذلك، تهيمن الشركات الأوروبية على الحصة الكبرى من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الأراضي التركية. هذه ليست أرقاماً هامشية، بل هي شرايين النموذج الاقتصادي التركي بأكمله.
الاقتصاد التركي: جروح مزمنة تحتاج علاجاً أوروبياً
لا يقف الاعتماد التركي على أوروبا عند حدود الأرقام التجارية، بل يمتد إلى أعماق الأزمة الاقتصادية الداخلية. فوفق بيانات معهد الإحصاء التركي، ظلّ معدل التضخم السنوي يتجاوز 30 بالمئة طوال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، مسجّلاً 32 بالمئة في أبريل، فيما تواصل الليرة التركية رحلتها التراجعية في ظل ضغوط بطالة متواصلة.
في هذا الواقع الهشّ، يبرز التناقض الصارخ الذي يُشير إليه مراد: إن إعادة رسم سلاسل التوريد العالمية نحو “التقريب الجغرافي” كانت يمكن أن تُتيح لتركيا، بحكم موقعها وبنيتها الصناعية، فرصةً تاريخية للتحوّل إلى قاعدة تصنيعية بديلة لأوروبا. وقد أطلّت هذه الإمكانية برأسها بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، حين بحثت العواصم الأوروبية علناً عن بدائل للاعتماد على موردين بعيدين كالصين. بيد أن هذه الفرصة تبقى حبيسة إمكانية نظرية لأسباب لا تتعلق بالطاقة الإنتاجية بل بالمصداقية المؤسسية، وهو مكمن الداء الأعمق.
المصداقية القانونية: ما لا تعوّضه الجغرافيا ولا الأجور
يُميّز مراد بحدّة بين نوعين من رأس المال الأجنبي: التدفقات المالية قصيرة الأجل، التي قد تُغري بها الفوائد المرتفعة أو التسهيلات المؤقتة، ورأس المال الاستراتيجي طويل الأجل الذي يبحث قبل أي شيء عن بيئة قانونية يمكن التنبؤ بها، وأنظمة قضائية مستقلة تحمي العقود والملكية. والأخير وحده هو ما تحتاجه تركيا لتحقيق الاستقرار الهيكلي.
وقد جاءت الصورة الدولية لتركيا مثيرة للقلق: إذ صنّفها مشروع العدالة العالمية في مؤشر سيادة القانون لعام 2025 في المرتبة 118 من أصل 143 دولة، في حين كرّرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التأكيد على أن القدرة التنافسية التركية رهينة بتعزيز استقلالية القضاء وضمان اتساق تطبيق الأنظمة.
حكم ياساك: ستراسبورغ يُفكّك الأسس القانونية لحقبة ما بعد 2016
يتوقف مراد طويلاً عند حكم الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية ياساك ضد تركيا، معتبراً إياه الحلقة الأحدث في سلسلة ستراسبورغية تُلقي بظلالها القاتمة على منظومة الملاحقات القضائية في عهد أردوغان. فالحكم وجد انتهاكاً صريحاً للمادة السابعة من الاتفاقية الأوروبية، التي تحظر العقاب على أفعال لم تكن مُجرَّمة وقت ارتكابها، مما يقطع الطريق أمام الدولة لاستخدام الانتماءات السابقة والمشروعة دليلاً على النية الإجرامية.
والأهمية الكبرى لهذا الحكم تكمن في تداعياته على قضايا حركة كولن، إذ يُبطل مفعول الآلية القانونية التي اعتمد عليها النظام لتحويل الانتماء إلى جماعة كانت قانونية في وقت من الأوقات إلى تهمة إرهاب.
ملف كافالا وديمرتاش وإمام أوغلو: نمط ممنهج لا استثناءات
لا يُقرأ حكم ياساك في معزل عن سياقه؛ فهو يتكامل مع حكمَي عثمان كافالا، الناشط المدني والحقوقي الذي سُجن بتهمة التورط في احتجاجات جيزي عام 2013، وصلاح الدين ديمرتاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية. والمشترك بين هذه القضايا، كما يُلاحظ مراد، ليس الوقائع القانونية بل النمط السياسي: توظيف الجهاز القضائي أداةً لإسكات المعارضة وتفكيك التعددية.
وقد أضافت المحكمة إلى هذه القائمة التسريع في النظر بشكوى أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول المعتقل والذي يُعدّ المنافس الرئيسي لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة. واستعجال المحكمة هذا رسالة سياسية بالغة الدلالة: مصير الديمقراطية التركية بات أيضاً ضمن دائرة اهتمام القضاء الأوروبي ورقابته.
الثمن الاستراتيجي لتجاهل القضاء الأوروبي
يُحذّر مراد من أن المراكمة المتواصلة للأحكام غير المُنفَّذة ستُحوّل تركيا من شريك رئيسي في قلب المنظومة الأوروبية إلى شريك هامشي في أطرافها. ذلك أن الامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية يُمثّل في الوقت الراهن أكثر بكثير من التزام قانوني شكلي؛ إنه إشارة استراتيجية لا غنى عنها يبحث عنها المستثمرون ومحاسبو المؤسسات الدولية قبل اتخاذ أي قرار حول جدوى الانخراط مع تركيا في سلاسل التوريد عالية التقنية التي تُبنيها أوروبا القلعة.
وتجدر الإشارة إلى أن تركيا ليست خارج الفضاء المؤسسي الأوروبي، بل هي عضو في مجلس أوروبا ومنخرطة في الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي ومشاركة في المنتديات السياسية الأوروبية الكبرى. المسألة إذن ليست مسألة انتماء أم لا، بل مسألة شروط التعمّق في الاندماج والشراكة.
الخيارات المتاحة: إصلاح مؤلم أو عزلة متصاعدة
يُحدّد مراد حزمة إجراءات محددة يرى أنها وحدها قادرة على إعادة تأسيس الثقة مع الشركاء الأوروبيين، تبدأ بالامتثال للأحكام المتراكمة للمحكمة الأوروبية وتمتد إلى إصلاح قوانين المشتريات العامة التي باتت ترسّخ شبكات المحسوبية، وتنتهي باستعادة استقلالية القضاء بصورة موثوقة وقابلة للقياس.
هذه الإصلاحات، على إيلامها سياسياً للقيادة الحالية، هي الثمن الواقعي للانتقال من الهامش إلى المركز في منظومة الكتلة الأوروبية الصاعدة، وهو ما يُتيح في المقابل إعادة تفعيل مسارات الحوار حول الانضمام وفتح أبواب الاستثمار الأوروبي المنخرط في مشاريع التحوّل الاقتصادي.
خلاصة
تركيا تملك الجغرافيا والطموح لكنها تفتقر إلى العملة الأثمن في عصر الكتل الاقتصادية المغلقة: مصداقية سيادة القانون. وما لم تُقدم أنقرة على إصلاحات قضائية جوهرية، فإنها ستجد نفسها خارج السلاسل الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، تراقب من بعيد قطار التكامل الإقليمي وهو يُغادر دون انتظارها.

