يتجه العراق إلى إتمام واحدة من أبرز صفقاته الدفاعية في السنوات الأخيرة عبر شراء 20 منظومة دفاع جوي تركية، في خطوة تعكس تحولا واضحا في أولويات بغداد الأمنية بعد تعرض أراضيها خلال الأشهر الماضية لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على خلفية المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى.
وبحسب ما كشفه الفريق الركن سعد حربية، نائب رئيس أركان الجيش العراقي للعمليات، خلال مشاركته في معرض “صحة 2026” الدفاعي في إسطنبول، فإن العراق وجد نفسه أمام واقع أمني جديد فرضته كثافة الهجمات الجوية غير التقليدية، خاصة الطائرات المسيّرة، الأمر الذي دفع بغداد إلى تسريع خطوات تحديث منظوماتها الدفاعية.
وقال حربية إن الأجواء العراقية “امتلأت بالطائرات المسيّرة”، مؤكدا أن حماية المنشآت النفطية والبعثات الدبلوماسية والبنى التحتية الحيوية أصبحت أولوية عاجلة للدولة العراقية.
بغداد تبحث عن دفاع جوي منخفض الكلفة وفعّال ضد المسيّرات
المسؤول العسكري العراقي أوضح أن بغداد فضّلت التوجه نحو المنظومات التركية بسبب عدة عوامل مجتمعة، أبرزها الكفاءة التشغيلية، وانخفاض التكلفة مقارنة بالأنظمة الغربية، إضافة إلى عامل الجوار الجغرافي والتعاون الأمني المتصاعد بين البلدين.
ورغم امتناعه عن الكشف عن القيمة المالية للصفقة أو أسماء الشركات المصنعة، أكد أن الشركات المشاركة في العقد هي مؤسسات دفاعية تركية مملوكة للدولة. وتشير التقديرات إلى أن الصفقة ترتبط على الأرجح بمنظومات تركية متخصصة في اعتراض المسيّرات والتهديدات الجوية منخفضة الكلفة، في ظل تنامي الاهتمام التركي بمشروع “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي متعدد الطبقات.
حربية شدد أيضا على أن أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في الكلفة غير المتوازنة لاعتراض المسيّرات، إذ إن بعض الأنظمة التقليدية تستخدم صواريخ اعتراض باهظة الثمن لإسقاط طائرات مسيّرة رخيصة نسبيا، وهو ما يدفع العراق للبحث عن حلول أكثر استدامة اقتصاديا وعسكريا.
الحرب بين إيران وإسرائيل دفعت العراق إلى إعادة حساباته الأمنية
التقرير أشار إلى أن المباحثات العراقية التركية حول الصفقة بدأت قبل اندلاع المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، لكنها اكتسبت طابعا عاجلا بعد تصاعد الضربات التي طالت الأراضي العراقية منذ أواخر شباط/فبراير الماضي.
وخلال تلك المواجهة، وجد العراق نفسه عالقا بين الأطراف المتصارعة، حيث تعرضت مواقع مرتبطة بفصائل عراقية مدعومة من إيران لضربات أميركية وإسرائيلية، بينما عبرت طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية الأجواء العراقية باتجاه أهداف مختلفة في المنطقة.
كما استهدفت الهجمات حقول نفط عراقية وفندقا في بغداد يضم بعثات دبلوماسية، إضافة إلى مواقع لجماعات معارضة إيرانية متمركزة في إقليم كردستان، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وأثار مخاوف حقيقية بشأن هشاشة منظومة الدفاع الجوي العراقية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعتمد فيه العراق بصورة شبه كاملة على صادرات النفط لتمويل ميزانيته العامة، الأمر الذي جعل أي تهديد للمنشآت النفطية يمثل خطرا مباشرا على الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة.
تعاون أمني متسارع بين أنقرة وبغداد
الفريق سعد حربية كشف أن الجانبين وقعا بالفعل العقد الخاص بالمنظومات الدفاعية، وأن النقاشات الحالية تتركز على التفاصيل المالية والتنفيذية، وذلك عقب لقاء جمعه بوزير الدفاع التركي يشار غولر على هامش المعرض الدفاعي في إسطنبول. وقد أكدت وزارة الدفاع التركية انعقاد اللقاء رسميا.
ولا تقتصر التفاهمات الجديدة بين البلدين على ملف الدفاع الجوي فقط، إذ أشار المسؤول العراقي إلى أن بغداد تبحث أيضا تعزيز التعاون مع تركيا في مجال الأمن السيبراني وحماية البنى الرقمية الحساسة.
وتعكس الصفقة تحسنا ملحوظا في العلاقات العراقية التركية بعد سنوات من التوتر المرتبط بوجود حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، حيث تدفع أنقرة باتجاه تنسيق أمني أوسع مع بغداد لملاحقة الحزب، في مقابل توسيع الشراكات الاقتصادية والأمنية بين الطرفين.
كما تتقاطع المصالح العراقية التركية في ملفات المياه، وتصدير النفط، ومشروع “طريق التنمية” الذي تسعى الحكومتان لتحويله إلى ممر تجاري استراتيجي يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي التركية.
تركيا تعزز مكانتها الإقليمية في سوق الدفاع الجوي
الصفقة العراقية الجديدة تأتي في سياق توسع الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار والدفاع الجوي.
وخلال الأشهر الماضية، دفعت التوترات الإقليمية تركيا نفسها إلى تعزيز مظلتها الدفاعية عبر نشر بطاريات “باتريوت” تابعة للناتو في جنوب البلاد بعد اعتراض صواريخ إيرانية دخلت المجال الجوي التركي أثناء الحرب الإقليمية الأخيرة.
وتعمل أنقرة بالتوازي على تطوير مشروع “القبة الفولاذية” المحلي، الذي يهدف إلى إنشاء شبكة دفاع جوي متكاملة تعتمد على مكونات تركية الصنع بالكامل، بما يشمل الرادارات ومنظومات الاعتراض والحرب الإلكترونية.
داعش ما زال حاضرا ولكن بقدرات محدودة
وفي سياق أمني مواز، أكد نائب رئيس أركان الجيش العراقي أن تنظيم داعش لا يزال يحتفظ بخلايا محدودة في مناطق الموصل والأنبار وكركوك، إلا أنه وصف أعداد عناصر التنظيم بأنها “ضئيلة للغاية”.
وأضاف أن القوات العراقية لم ترصد خلال الفترة الأخيرة اتصالات أو تحركات تنظيمية كبيرة لعناصر التنظيم، في إشارة إلى تراجع نشاطه مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار المخاوف من إعادة تنشيط خلاياه مستفيدا من الفوضى الإقليمية والتوترات الحدودية.
خلاصة
تعكس الصفقة العراقية التركية تحولا استراتيجيا في رؤية بغداد للأمن القومي بعد تجربة الحرب الإقليمية الأخيرة، حيث باتت المسيّرات والصواريخ منخفضة الكلفة تمثل التهديد الأخطر على استقرار الدولة والمنشآت الحيوية.
كما تكشف الخطوة عن صعود تركيا كمصدر إقليمي رئيسي لأنظمة الدفاع الجوي منخفضة الكلفة، في وقت تسعى فيه دول المنطقة لإعادة بناء قدراتها العسكرية في ظل بيئة شرق أوسطية شديدة التقلب.

