في تحول يعكس تزايد الوزن الاستراتيجي للصناعات العسكرية في الاقتصاد التركي، أصبحت شركة “أسيلسان” للصناعات الإلكترونية الدفاعية الأعلى قيمة بين الشركات المدرجة في البورصة، متجاوزة حاجز تريليوني ليرة تركية، في ظل طفرة غير مسبوقة في الطلب العالمي على الأنظمة الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة.
قفزة في القيمة السوقية: انعكاس مباشر لزخم القطاع الدفاعي
سجلت أسهم “أسيلسان” ارتفاعًا لافتًا في بورصة إسطنبول، حيث بلغت 442 ليرة للسهم، محققة نموًا يقارب 90 بالمئة منذ بداية العام. وجاء هذا الأداء القوي بعد أن كانت الشركة قد تجاوزت عتبة التريليون ليرة في سبتمبر 2025، لتواصل صعودها مدفوعة بعقود ضخمة واهتمام استثماري متزايد.
هذا الارتفاع يتزامن مع توجه عالمي نحو زيادة الإنفاق العسكري، ما عزز جاذبية أسهم شركات الدفاع، خاصة تلك العاملة في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة.
أداء مالي قوي: إيرادات متنامية وطلبات قياسية
أظهرت البيانات المالية لعام 2025 تحقيق “أسيلسان” إيرادات بلغت 180.4 مليار ليرة، مع نمو حقيقي بنسبة 15 بالمئة، في حين وصل حجم الطلبات المتراكمة إلى 20.4 مليار دولار، وهو مؤشر على استمرارية الزخم التشغيلي.
كما وقعت الشركة خلال العام ذاته 272 عقد تصدير بقيمة تتجاوز ملياري دولار، وهو ما يمثل أكثر من ضعف حجم العقود في العام السابق، في دلالة واضحة على توسع حضورها في الأسواق الدولية.
انتشار عالمي متسارع: أسواق جديدة وشراكات استراتيجية
نجحت “أسيلسان” في توسيع نطاق صادراتها لتشمل 58 دولة خلال عام واحد، مع دخول ثلاث أسواق جديدة، ليرتفع إجمالي عدد الدول التي زودتها بأنظمتها إلى 95 دولة. ومن أبرز هذه الصفقات عقد بقيمة 410 ملايين دولار لتوريد أنظمة حرب إلكترونية إلى بولندا، العضو في حلف الناتو.
هذا التوسع يعكس تحول الشركة من مزود محلي إلى لاعب دولي مؤثر في سوق الصناعات الدفاعية، مستفيدًا من الطلب المتزايد على التقنيات المتقدمة.
جذور تاريخية وتطور مؤسسي
تأسست “أسيلسان” عام 1975 في أعقاب الحظر الأمريكي على توريد الأسلحة إلى تركيا بعد تدخلها في قبرص، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج في المجال العسكري. وتتخذ الشركة من أنقرة مقرًا لها، وتخضع لملكية الأغلبية من قبل مؤسسة القوات المسلحة التركية، التي تمتلك أكثر من 74 بالمئة من أسهمها.
بدأت الشركة نشاطها بإنتاج أجهزة الاتصالات العسكرية، لكنها توسعت تدريجيًا لتشمل مجالات الرادار، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة، والإلكترونيات الجوية، والاتصالات الآمنة، وصولًا إلى تقنيات الفضاء.
دور محوري في المشاريع الدفاعية الكبرى
تشارك “أسيلسان” في عدد من أبرز البرامج الدفاعية التركية، من بينها مشروع “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي متعدد الطبقات، الذي يهدف إلى التصدي للتهديدات الجوية المختلفة عبر دمج أنظمة برية وبحرية.
كما تلعب دورًا أساسيًا في برامج الطيران المتقدمة، مثل المقاتلة التركية من الجيل الخامس “قآن”، والطائرة القتالية غير المأهولة “قزل إلما” التي تطورها شركة “بايكار”. وقد أظهرت اختبارات عام 2025 تكامل أنظمتها، حيث استخدم رادار “مراد” لتحديد هدف تم تدميره لاحقًا بصاروخ “غوكدوغان” المطور محليًا.
الاستثمار في الابتكار: تصاعد الإنفاق على البحث والتطوير
رفعت الشركة إنفاقها على البحث والتطوير إلى نحو 53.96 مليار ليرة خلال عام 2025، بزيادة بلغت 69 بالمئة مقارنة بالعام السابق، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية والحفاظ على تنافسيتها العالمية.
كما ارتفعت نسبة الصادرات من إجمالي تسليماتها إلى 25 بالمئة، مقارنة بـ19 بالمئة في العام الذي سبقه، ما يعكس تحولًا تدريجيًا نحو الاعتماد على الأسواق الخارجية كمحرك رئيسي للنمو.
دخول مجال الفضاء: خطوة نحو المستقبل
وسّعت “أسيلسان” نشاطها ليشمل تقنيات الفضاء، حيث أطلقت قمرها الصناعي “LUNA-1” المخصص لإنترنت الأشياء إلى مدار أرضي منخفض عبر صاروخ “فالكون 9” في أواخر 2025. وقد نجح القمر لاحقًا في إرسال أولى بياناته إلى محطة أرضية في أنقرة، في مؤشر على دخول الشركة مجال الخدمات الفضائية.
موقعها العالمي: صعود في تصنيفات الصناعات العسكرية
احتلت “أسيلسان” المرتبة السابعة والأربعين عالميًا في قائمة معهد ستوكهولم لأبحاث السلام لعام 2024، كما جاءت في المرتبة الثالثة والأربعين ضمن قائمة “ديفنس نيوز” لأكبر مئة شركة دفاعية في 2025، ما يعكس تقدمها المستمر على الساحة الدولية.
هوية جديدة وطموح عالمي
في مايو 2026، كشفت الشركة عن شعار وهوية بصرية جديدة، في إطار سعيها لتعزيز حضورها العالمي وتأكيد رؤيتها المستقبلية كشركة تكنولوجية متقدمة ذات امتداد دولي.
الاقتصاد العسكري كرافعة استراتيجية
يعكس صعود “أسيلسان” تحوّلًا أعمق في بنية الاقتصاد التركي، حيث أصبحت الصناعات الدفاعية أحد أعمدة النمو والتأثير الجيوسياسي. فالشركة لا تمثل مجرد كيان صناعي، بل أداة استراتيجية تعزز استقلال القرار العسكري وتدعم النفوذ الخارجي.
في المقابل، يثير هذا التوسع تساؤلات حول استدامة النمو في ظل تقلبات السوق العالمية، واحتمالات القيود التكنولوجية أو السياسية التي قد تواجهها تركيا في حال تصاعد التوترات الدولية.
تحوّلت “أسيلسان” إلى رمز لصعود الصناعات الدفاعية التركية، مدفوعة بنمو الصادرات والاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة. ويمثل هذا الصعود مؤشرًا على إعادة تشكيل الاقتصاد التركي حول قطاعات استراتيجية ذات بعد عالمي وتأثير جيوسياسي.

