بقلم: سليم نيازي أوغلو
تتجه الإدارة الأميركية الحالية نحو مرحلة غير مسبوقة من التصعيد الاقتصادي والعسكري، حيث كشفت المداولات الجارية في البيت الأبيض عن تبني خيار الحصار البحري الشامل والمطول للموانئ الإيرانية، وهو قرار قد يمتد لأشهر عدة بهدف شل حركة الصادرات والواردات تماماً.
هذا النهج، الذي ناقشه الرئيس ترامب مع أقطاب صناعة النفط، يمثل “الخيار الأوسط” الذي يفضله البيت الأبيض لتجنب كلف استئناف القصف الشامل أو المخاطرة بالانسحاب الذي قد يترك فراغاً إستراتيجياً. ويعكس شعار “لا مزيد من السيد اللطيف” تحولاً جذرياً نحو فرض “اتفاق غير نووي” شامل، ترفضه طهران وتتمسك في المقابل بحقها في التخصيب للأغراض السلمية، مما أدخل المنطقة في حالة من الجمود الدبلوماسي.
التحول البنيوي في القيادة الإيرانية وإدارة الصراع
على الجبهة المقابلة، أفرز الصراع واقعاً سياسياً جديداً داخل هرم السلطة في إيران؛ فمع غياب آية الله علي خامنئي في بدايات المواجهة وتولي نجله مجتبى زمام الأمور، تعزز نفوذ قادة الحرس الثوري الذين يميلون إلى التشدد العقائدي والسياسي. هذا التغيير البنيوي جعل الموقف التفاوضي الإيراني أكثر تصلباً، خاصة مع فقدان قيادات وازنة في غارات أميركية وإسرائيلية، مما دفع طهران للرهان على “طرق تجارية بديلة” وتوظيف مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمئة—الذي يقترب من العتبة العسكرية بكتلة تصل إلى أربعمائة وأربعين كيلوغراماً—كأداة ضغط في أي مساومة مستقبلية.
امتداد النزاع إلى الممرات المائية: ملف “باب المندب” كأداة ضغط
ضمن هذا المشهد المتفجر، يبرز تلويح إيران بفتح ملف “باب المندب” كتحول إستراتيجي يهدف إلى نقل المعركة من حيز الحصار المفروض على موانئها إلى تهديد الملاحة الدولية في أحد أهم الشرايين التجارية للعالم. تفعيل هذا الملف يعني فرض “كماشة بحرية” تبدأ من مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً أمام السفن غير التابعة لها، وتمتد إلى البحر الأحمر عبر نفوذها الإقليمي. إن تعطيل الملاحة في باب المندب لا يستهدف الولايات المتحدة فحسب، بل يضرب المصالح الاقتصادية الأوروبية والآسيوية في مقتل، مما قد يجبر القوى الدولية على التدخل لكسر الحصار الأميركي أو الضغط على واشنطن للتراجع. هذا التطور يرفع من منسوب المخاطر التي حذر منها البنك الدولي، والتي تشير إلى احتمال قفز أسعار الطاقة بنسبة أربعة وعشرين بالمئة بحلول عام ألفين وستة وعشرين، مما يعيد للأذهان هزات الأسواق العالمية إبان الأزمات الكبرى.
التداعيات الاقتصادية والارتباك في مراكز القرار
أدى استمرار الحصار والتهديدات المتبادلة إلى اضطراب حاد في أسواق الطاقة؛ حيث سجل خام برنت مستويات قياسية نتيجة المخاوف من انقطاع الإمدادات الطويل. وفي الداخل الأميركي، يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة مع تراجع شعبيته إلى نحو أربعة وثلاثين بالمئة، حيث يبدي الشارع استياءً من ارتفاع تكاليف المعيشة ومن جدوى الانخراط في “حرب استنزاف” لا تحظى بتأييد شعبي واسع ولا تقدم حلولاً ناجعة للأزمات الاقتصادية المتراكمة.
المعضلة التركية وتوازنات القوى الإقليمية
تجد تركيا نفسها في عين العاصفة، حيث بات حيادها التاريخي—المستلهم من دروس الحربين العالميتين—عبئاً إستراتيجياً ثقيلاً. فمن جهة، تعتمد أنقرة على مظلة الناتو الدفاعية التي اعترضت صواريخ إيرانية استهدفت منشآت حيوية على أراضيها، ومن جهة أخرى، تخشى من أن يؤدي انهيار الدولة في إيران إلى تدفق موجات من اللاجئين وزعزعة الاستقرار في مناطق النفوذ الكردي. كما يتصاعد القلق التركي من تنامي الدور الإقليمي لإسرائيل التي تسعى، من وجهة نظر أنقرة، إلى “تطويق تركيا” واحتوائها من خلال عملياتها العسكرية في سوريا ولبنان وتعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص. لذا، تقف أنقرة أمام مأزق وجودي: فهي لا تريد هيمنة إيرانية، لكنها تخشى بالقدر ذاته من سقوط إيران في مدار نفوذ إسرائيلي-أميركي كامل يغير موازين القوى في المنطقة إلى الأبد.
خلاصة القول
إن انتقال المواجهة من حصار الموانئ الإيرانية إلى احتمالية إغلاق الممرات المائية الدولية كباب المندب، يضع الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي في مواجهة سيناريوهات كارثية تتجاوز القدرة على الاحتواء. وباتت المنطقة رهينة لصراع إرادات طويل الأمد، حيث تتقاطع طموحات واشنطن في إخضاع طهران مع مخاوف أنقرة من تغير الخارطة الجيوسياسية تحت وطأة النفوذ الإسرائيلي.

