تشهد الساحة الحقوقية في تركيا تصاعداً ملحوظاً في الانتقادات الدولية، بعد أن عبّر عدد من المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء ما وصفوه بتوظيف تشريعات مكافحة الإرهاب كأداة لملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين.
جاءت هذه المخاوف في رسالة رسمية وُجهت إلى الحكومة التركية بتاريخ 23 فبراير 2026، قبل أن يتم نشرها لاحقاً، كاشفة عن نمط متكرر من الملاحقات القضائية التي تستهدف العمل الحقوقي.
استهداف منهجي للمدافعين عن حقوق الإنسان
أشارت الرسالة الأممية إلى أن السلطات التركية تواصل توجيه اتهامات ثقيلة، مثل الانتماء إلى منظمة إرهابية وتمويل الإرهاب، ضد ناشطين ومحامين، مع تركيز خاص على جمعية حقوق الإنسان (İHD) بوصفها إحدى أبرز الجهات المستهدفة.
ويعكس هذا التوجه، بحسب المقررين، مساراً قضائياً يضع العمل الحقوقي في دائرة الاشتباه الأمني، بما يهدد بيئة العمل المدني برمتها.
قضايا فردية تكشف نمطاً أوسع
سلّط المقررون الضوء على عدد من الحالات التي تعكس هذا المسار:
- خديجة أوناران: أُدينت عام 2024 بتهمة “تمويل الإرهاب” بعد إرسال مبالغ مالية صغيرة لسجناء فقراء ومرضى، في إطار مساعدة إنسانية تمت وفق لوائح السجون وتحت إشراف إدارتها. وقد أُفرج عنها في فبراير 2025 بعد تعليق تنفيذ الحكم لمدة ستة أشهر بسبب خضوعها لعلاج من السرطان.
- عثمان سوزن، سونا بيلغين، طوبى كهرمان، محمد أجاتتين: وُجهت إليهم تهم الانتماء إلى منظمة إرهابية. لاحقاً، تمت تبرئة سوزن خلال جلسة عقدت في يناير 2026، ما يعزز الشكوك حول طبيعة هذه الاتهامات.
- إسماعيل بويراز: خضع لتحقيق بتهمة المشاركة في تجمع غير قانوني، على خلفية مشاركته في احتجاج نقابي للمعلمين.
- المحامي صبري غونغن: أفادت التقارير بتعرضه لاعتداء جسدي من قبل الشرطة أثناء قيامه بزيارة أحد موكليه، في واقعة أثارت قلقاً خاصاً بشأن سلامة المحامين أثناء أداء مهامهم.
جدل قانوني حول مفهوم “تمويل الإرهاب”
اعتبر المقررون أن تطبيق قانون تمويل الإرهاب في حالة أوناران يمثل “سوء استخدام واضحاً”، مشددين على أن تقديم مساعدات مالية محدودة لتغطية الاحتياجات الأساسية لسجناء مرضى أو معوزين، ضمن الأطر القانونية وتحت إشراف رسمي، لا يندرج ضمن مفهوم تمويل الإرهاب وفق القانون الدولي. ويكشف هذا التقييم عن فجوة متزايدة بين الممارسات القضائية المحلية والمعايير الدولية.
انتهاكات محتملة للحقوق الأساسية
أعرب الخبراء الأمميون عن قلقهم من أن الاعتقالات التعسفية والانتهاكات المرتبطة بالإجراءات القانونية الواجبة قد تشكل خرقاً خطيراً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بالحق في الحرية والأمان الشخصي، والمحاكمة العادلة، وحرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي.
كما حذروا من أن ما تعرض له بعض المحامين، مثل بيلغين وسوزن وغونغن، من تهديدات أو اعتداءات أثناء عملهم قد يرقى إلى مستوى أعمال انتقامية بسبب نشاطهم الحقوقي.
تحذيرات متجددة من اتساع نطاق القمع
في بيان لاحق صدر في 31 مارس، جدد المقررون تحذيراتهم، مؤكدين أن تشريعات مكافحة الإرهاب في تركيا تُستخدم بشكل متزايد لتجريم الأنشطة الحقوقية المشروعة، وفرض قيود على الحريات الأساسية. ويشير هذا التطور إلى أن القضية لم تعد حالات فردية معزولة، بل باتت تمثل اتجاهاً مؤسسياً يثير قلقاً دولياً متصاعداً.
مطالب أممية بالإصلاح والمساءلة
دعت الأمم المتحدة السلطات التركية إلى تقديم توضيحات مفصلة بشأن هذه القضايا، بما في ذلك الأسس القانونية للملاحقات ومدى توافقها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما شددت على ضرورة اتخاذ تدابير تضمن بيئة آمنة لعمل المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب مراجعة شاملة لقوانين مكافحة الإرهاب، ووقف الانتهاكات الجارية، ومحاسبة المسؤولين عن أي سوء معاملة.
وقد حملت الرسالة توقيع عدد من المقررين البارزين، من بينهم ماري لولور، جينا روميرو، تلالينغ موفوكينغ، مارغريت ساترثويت، وبن سول، ما يعكس ثقلاً مؤسسياً واضحاً لهذه التحذيرات.
بين الأمن والسياسة
تكشف هذه التطورات عن إشكالية عميقة في التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات الحقوق الأساسية. فبينما تؤكد السلطات التركية أهمية مكافحة الإرهاب، يرى مراقبون أن توسيع تعريفاته واستخدامه في سياقات مدنية يفتح الباب أمام تسييس القضاء وتقويض استقلاليته. كما أن استهداف منظمات مثل İHD يعكس حساسية متزايدة تجاه العمل الحقوقي المستقل، خاصة في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة.
في المقابل، تضع هذه الانتقادات الدولية أنقرة أمام اختبار دقيق يتعلق بمدى التزامها بالاتفاقيات الدولية، خصوصاً مع استمرار الضغوط الأوروبية والدولية المرتبطة بسجل حقوق الإنسان.

