شهدت العاصمة التركية أنقرة تصعيدًا أمنيًا لافتًا بعد تدخل الشرطة لتفريق عمال مناجم الفحم المضربين عن الطعام، أثناء محاولتهم التوجه نحو وزارة الطاقة والموارد الطبيعية للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة. واستخدمت القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل، ما أدى إلى اندلاع احتكاكات مباشرة مع المحتجين.
العمال، الذين يعملون لدى شركة “دوروك للتعدين”، يواصلون احتجاجاتهم منذ أكثر من أسبوعين، وقد دخلوا يومهم الثامن في إضراب مفتوح عن الطعام، في خطوة تعكس تصاعد مستوى اليأس والضغط. وانطلقت المسيرة من حديقة “كورتولوش” في أنقرة، إلا أن الشرطة طوقت المجموعة ومنعتها من التقدم.
اعتقالات واستهداف قيادات نقابية وسياسية
خلال عملية التفريق، تم توقيف رئيس نقابة عمال المناجم المستقلة غوكاى تشاكير، إلى جانب الخبير النقابي باشاران أكسو. كما طالت التدخلات نائب حزب العمال التركي المعارض، إركان باش، الذي تعرض لرش الغاز في وجهه، ما أدى إلى توتر إضافي ومواجهة قصيرة مع عناصر الشرطة.
وتؤكد شهادات ميدانية وتقارير إعلامية محلية أن استخدام القوة جاء بعد تصاعد التوتر، حيث لجأت الشرطة إلى وسائل تفريق قسرية أدت إلى اشتباكات محدودة.
مطالب العمال وخلفيات الأزمة
يطالب العمال بسداد الأجور المتأخرة وتعويضات نهاية الخدمة، إضافة إلى تحسين ظروف العمل التي يصفونها بالمتدهورة. وكان هؤلاء قد قطعوا مسافة تقارب مئتي كيلومتر سيرًا على الأقدام من إسكيشهير إلى أنقرة، في تحرك احتجاجي لافت جذب دعمًا من نقابيين وبرلمانيين وشرائح من الرأي العام.
وبحسب تصريحات باشاران أكسو، فإن عددًا من العمال يعاني من نقص حاد في الغذاء والإمدادات الأساسية، محذرًا من مخاطر صحية حقيقية تهدد حياتهم نتيجة الإضراب الطويل.
سياق اقتصادي وسياسي معقد
تشير النقابة إلى أن الشركة المشغلة لم تفِ بالتزاماتها المالية، وأن المدفوعات التي جرت حتى الآن لا تغطي سوى جزء ضئيل من المستحقات. ويعود تاريخ المنجم إلى شركة سابقة نُقلت ملكيتها إلى صندوق تأمين الودائع التركي عام 2016 ضمن حملة حكومية ضد حركة غولن، قبل أن يُباع لاحقًا في مناقصة عام 2022 إلى شركة “يلدزلار القابضة”.
وتُعد هذه الشركة من الكيانات التي توسعت عبر برامج الخصخصة في السنوات الأخيرة، ويرأسها رجل الأعمال والسياسي السابق صباح الدين يلدز، الذي شغل منصب نائب عن حزب العدالة والتنمية الحاكم لعدة دورات.
استمرار الاحتجاج رغم القمع
ورغم التدخل الأمني، واصل العمال اعتصامهم داخل الحديقة، مؤكدين عزمهم البقاء حتى تحقيق مطالبهم، في مشهد يعكس اتساع فجوة الثقة بين العمال والجهات الرسمية.
إسطنبول: قمع إحياء عيد العمال في ساحة تقسيم
اعتقالات ومنع الوصول إلى موقع رمزي
في سياق متصل، شهدت إسطنبول حملة أمنية لمنع إحياء ذكرى عيد العمال قرب ساحة تقسيم، حيث أوقفت الشرطة أكثر من ثلاثين شخصًا، بينهم قيادات نقابية وممثلون عن أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.
وتجمعت مجموعة “مبادرة الأول من مايو – تقسيم” في محاولة للوصول إلى منطقة “كازانجي يوكوشو”، التي تحمل رمزية تاريخية مرتبطة بأحداث عام 1977، إلا أن الشرطة فرضت طوقًا أمنيًا واسعًا ومنعت التجمع، خاصة في محيط حديقة غيزي.
إجراءات استباقية لتقييد التجمع
قبل بدء الفعالية، أغلقت السلطات ساحة تقسيم والمناطق المحيطة بها بالحواجز، كما أُعلن عن تعليق عمل محطة المترو وخط القطار الجبلي في المنطقة، تنفيذًا لقرار صادر عن ولاية إسطنبول. وبررت السلطات هذه الإجراءات بقرار محلي على مستوى القضاء، عقب دعوات لتنظيم تجمع بديل في الموقع.
ردود فعل وانتقادات نقابية
ورغم القيود، رفع المتظاهرون الزهور ورددوا شعارات تؤكد أن ساحة تقسيم تمثل الموقع الطبيعي للاحتفال بعيد العمال. وانتقد سليمان كِسكن، رئيس نقابة عمال الطاقة “إنرجي-سن” التابعة لاتحاد النقابات التقدمية (ديسك)، استمرار حظر التجمع، معتبرًا أنه يتعارض مع أحكام قضائية سابقة أقرّت بحق التظاهر في الساحة.
خلفية قانونية وتاريخية
يعود حظر الاحتفال بعيد العمال في تقسيم إلى عام 2013، حين استخدمت الشرطة القوة مرارًا لمنع التجمعات. وفي تطور قانوني مهم، قضت المحكمة الدستورية التركية في أواخر 2023 بأن التدخلات الأمنية في احتفالات 2014 و2015 انتهكت الحق في التجمع السلمي. كما سبق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن أصدرت حكمًا مماثلًا بشأن أحداث عام 2008.
إرث “الأول من مايو الدموي”
تحمل منطقة كازانجي يوكوشو رمزية عميقة في تاريخ الحركة العمالية التركية، إذ شهدت أحداث “الأول من مايو الدموي” عام 1977، حين أدى إطلاق نار من مبانٍ محيطة إلى حالة ذعر وتدافع أسفرت عن مقتل ما بين واحد وثلاثين وستة وثلاثين شخصًا، وإصابة أكثر من مئة.
ورغم توقيف مئات الأشخاص آنذاك، لم يتم تحديد المسؤولين عن الهجوم، وسط اتهامات طالت شبكات مرتبطة بالدولة وجماعات يمينية في سياق العنف السياسي الذي شهدته البلاد في تلك الفترة.
إصرار نقابي رغم القيود
تواصل النقابات والمنظمات المهنية، مثل “ديسك” و”كيسك” و”اتحاد المهندسين والمعماريين” و”نقابة الأطباء”، محاولاتها السنوية لإحياء الذكرى في الموقع ذاته، رغم القيود المتكررة التي تفرضها السلطات.
بين الحقوق العمالية والأمن السياسي
تعكس هذه التطورات تصاعد التوتر بين الدولة والحركات العمالية في تركيا، في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة وتراجع القدرة الشرائية، ما يزيد من حدة الاحتجاجات الاجتماعية. كما تكشف عن نمط متكرر في التعامل الأمني مع الاحتجاجات، خاصة تلك التي تحمل أبعادًا رمزية أو سياسية.
في المقابل، تُظهر الأحكام القضائية المحلية والدولية وجود فجوة بين الإطار القانوني الضامن لحرية التجمع والتطبيق العملي على الأرض، ما يعزز الجدل حول استقلالية المؤسسات واحترام الحقوق الأساسية.

