بقلم: ياوز أجار
تستعرض الساحة الإقليمية حالياً ملامح مخاضٍ عسير لنظام دولي جديد، حيث تتداخل ملفات الأمن القومي مع طموحات الطاقة في مشهد يعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط. وبينما ينصبُّ التركيز العالمي على الصراع المباشر مع إيران، تنمو في الخفاء والعلن مسارات دبلوماسية وتحالفات تقنية تكسر القوالب التقليدية التي سادت لعقود، مما يؤذن بانتقال المنطقة من مرحلة الاستقطاب الأيديولوجي إلى مرحلة “الواقعية السياسية” القائمة على المصالح الجيواقتصادية.
التموضع السوري الجديد: الانبعاث من رماد العزلة إلى فضاء المتوسط
شهدت العاصمة القبرصية نيقوسيا تحولاً جوهرياً في الخطاب السياسي السوري، حيث قدم الرئيس أحمد الشرع أمس الجمعة خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين رؤية تتجاوز مجرد لملمة جراح الحرب. تتركز هذه الرؤية على ربط استقرار القارة العجوز مباشرة باستقرار الداخل السوري، معتبرةً أن أي تقاعس أوروبي تجاه الانتهاكات المستمرة للسيادة السورية، وتحديداً الغارات الإسرائيلية والوجود العسكري في المنطقة العازلة بجنوب البلاد، لا يمثل تهديداً لدمشق فحسب، بل هو تقويض مباشر لمساعي إعادة الإعمار التي يطمح إليها المجتمع الدولي.
وتبرز الأهمية السياقية لهذا التحول في كون الإدارة السورية الجديدة، التي أعقبت حقبة الأسد في أواخر عام 2024، تسعى لتقديم “صكوك أمان” إقليمية، مؤكدةً أنها لا تشكل تهديداً لإسرائيل، مما يضع القوى الأوروبية أمام استحقاق أخلاقي وقانوني لإعادة تقييم سياساتها الحذرة تجاه دمشق والانتقال نحو شراكة فاعلة تتجاوز المساعدات الإنسانية إلى آفاق الاستثمار الاستراتيجي.
جيوسياسية الطاقة: سوريا كجسر أمان بين الشرق والغرب
في ظل الاضطرابات المتكررة التي تهدد سلاسل إمداد الطاقة عبر مضيق هرمز، برزت في قمة قبرص أطروحة سورية استراتيجية تهدف إلى تحويل الجغرافيا السورية من ساحة صراع دولي إلى “عقدة وصل” لوجستية. يسعى هذا الطرح إلى تشكيل محور أورومتوسطي يربط إنتاج الطاقة في دول الخليج وآسيا بالأسواق الأوروبية المتعطشة للبدائل المستقرة.
هذا التوجه لا يمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل هو إعادة تدوير للدور السوري كـ “جسر أمان” يعزز الاندماج الإقليمي. فمن خلال تقديم بدائل جغرافية للممرات المائية المتوترة، تأمل دمشق في الحصول على اعتراف دولي بمكانتها الجديدة، مستغلةً حاجة أوروبا الملحة لتأمين مواردها بعيداً عن تقلبات السياسة في الممرات البحرية التقليدية.
الشراكة السعودية الأوكرانية: تحالف التكنولوجيا والسيادة الاستراتيجية
بالتوازي مع الحراك المتوسطي، تتبلور في مدينة جدة ملامح تحالف نوعي بين الرياض وكييف، تجسد في زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يوم الجمعة أيضا. هذا التعاون لا يقف عند حدود الدعم السياسي، بل يمتد ليشمل اتفاقية شراكة شاملة تطال ركائز الأمن الغذائي والدفاعي والطاقة.
ويكمن جوهر هذا التعاون في نقل الخبرات العسكرية الميدانية، حيث تسعى المملكة للاستفادة من التجربة الأوكرانية المتطورة في التصدي للطائرات المسيّرة، لا سيما النماذج التي تُستخدم في النزاعات المعاصرة مثل طائرات “شاهد”. يتجاوز هذا المسعى مجرد الشراء إلى التوطين، عبر خطوط إنتاج مشتركة وتطوير أنظمة دفاع جوي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يعكس رغبة سعودية واضحة في تنويع مصادر أمنها القومي وتقليل الارتهان للشركاء التقليديين في الغرب، مستفيدة من دروس الحرب على إيران.
نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب: تداخل السيادة بالتكنولوجيا
إن ما يربط التحركات السورية في المتوسط بالانفتاح السعودي على الخبرات الأوكرانية هو الإدراك الجمعي بأن القوة في العصر الحديث لم تعد تُقاس بعدد الجيوش فحسب، بل بالقدرة على تأمين التكنولوجيا المتقدمة وضمان تدفقات الطاقة. تسعى القوى الإقليمية اليوم إلى بناء شبكة تحالفات “متعددة الأبعاد” تمنحها مرونة أكبر في المناورة السياسية.
وتشير القراءة التحليلية لهذه المعطيات إلى ولادة نظام إقليمي يتسم بالتعددية، حيث قد تصبح الشراكة بين الرياض وكييف نموذجاً لتعاون “جنوب-شمال” جديد يتحرك خارج الوصاية التقليدية، في حين قد يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطراً لفتح قنوات دبلوماسية أوسع مع دمشق تحت وطأة المصالح الطاقوية والأمنية العابرة للحدود.
التداعيات المستقبلية وتوازنات القوى غير التقليدية
يبدو أن التوتر القائم في الممرات المائية الحيوية، وتزايد الاعتماد على الأسلحة غير التقليدية مثل المسيّرات، سيظلان المحركين الرئيسيين لرسم خرائط التحالف في السنوات المقبلة. فالمنطقة لم تعد تكتفي بردود الأفعال، بل باتت تصنع واقعها من خلال المبادرة في مشاريع الربط الاقتصادي والتوطين التقني، مما يفرض على القوى الكبرى إعادة حساباتها تجاه شرق أوسط يمتلك زمام المبادرة في صياغة مستقبله الجيوسياسي.

