أصدر كل من السياسيين الكرديين المعتقلين منذ نحو عقد، صلاح الدين دميرتاش وسلجوق مزراكلي، بياناً مشتركاً دعوا فيه قوى المعارضة إلى توحيد الجهود، مؤكدين أن تركيا مقبلة على تحولات كبرى.
في ظل تصاعد النقاش حول إحياء مسار السلام الكردي في تركيا، وجّه السياسيان الكرديان المعتقلان صلاح الدين دميرتاش وسلجوق مزراكلي رسالة واضحة مفادها أن خروجهم من السجن لن يكون حدثاً قانونياً محضاً، بل خطوة ذات طابع سياسي مشابه لظروف اعتقالهم.
جاءت هذه التصريحات في بيان مشترك أعقب زيارة وفد من أحزاب المعارضة والتيارات اليسارية، بحسب ما نقلته وكالة “أنكا”.
وأكد الرجلان أنهما لا يترقبان موعد الإفراج، مشددين على استمرار نضالهما من أجل الديمقراطية “أينما كانا”، مع توصيفهما المرحلة الراهنة بأنها تمهيد لتحولات كبرى في البلاد.
خلفيات الاعتقال: سياق سياسي وقضائي معقد
يُعد دميرتاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، من أبرز الوجوه السياسية الكردية في تركيا، وهو معتقل منذ نوفمبر 2016. أما مزراكلي، الرئيس السابق لبلدية دياربكر، فقد سُجن منذ أكتوبر 2019. ويواجه كلاهما اتهامات تتعلق بالإرهاب، وهي تهم ينفيانها بشكل قاطع.
وقد حُكم على دميرتاش في عام 2024 بالسجن لمدة 42 عاماً على خلفية اتهامات بدوره في احتجاجات كوباني عام 2014، في قضية أثارت جدلاً واسعاً داخلياً ودولياً.
زيارة سياسية متعددة الأطراف: رسالة تضامن وضغط
ضم الوفد الزائر ممثلين عن عدة قوى سياسية، من بينها حزب الشعب الجمهوري، وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وحزب العمال التركي، ما يعكس تقاطعاً نادراً نسبياً بين أطراف المعارضة حول ملف الحريات والعدالة.
وفي بيان المعتقلين، أكدا أنهما يتمتعان بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة، مع تعهدهما بمواصلة العمل لتعزيز السياسة الديمقراطية تحت جميع الظروف، مضيفين أن “الخروج من السجن سيكون سياسياً كما كان الدخول إليه”.
مسار السلام: عودة إلى الواجهة بشروط جديدة
تزامنت هذه التصريحات مع تصاعد الحديث عن محاولة جديدة لإحياء عملية السلام الكردي بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، المصنف تنظيماً إرهابياً من قبل أنقرة وحلفائها الغربيين. ويُنظر إلى هذه الجهود باعتبارها الأكثر جدية منذ انهيار المحادثات السابقة عام 2015.
وقد اكتسب هذا المسار زخماً إضافياً عقب دعوة زعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان في فبراير 2025 إلى إلقاء السلاح وحل التنظيم، وهو ما أعقبه إعلان الحزب إنهاء حملته المسلحة.
في المقابل، تطالب الأحزاب الكردية وحلفاؤها بترجمة هذه التطورات إلى خطوات ملموسة، تشمل إصلاحات قانونية ومؤسسية، وإنهاء سياسة تعيين أوصياء حكوميين بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين.
دعوات لتنفيذ أحكام القضاء: اختبار الثقة في الدولة
عقب الزيارة، شدد أعضاء الوفد على ضرورة اتخاذ الحكومة خطوات عملية، وعلى رأسها تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية التركية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، أكد تونجر باكيرهان أن مطلب العدالة بات قاسماً مشتركاً بين مختلف فئات المجتمع التركي.
وأشار إلى أن شرائح واسعة، من طلاب ونساء ومسؤولين منتخبين، تضع قضية العدالة في صدارة أولوياتها، متسائلاً عن أسباب عدم تنفيذ أحكام صادرة عن أعلى الهيئات القضائية.
قضايا بارزة: انتهاكات مستمرة وفق القضاء الأوروبي
أشار باكيرهان إلى سلسلة من الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي رصدت انتهاكات في قضايا بارزة، من بينها قضايا فيغن يوكسكداغ وجان أطالاي وعثمان كافالا وطيفون كهرمان، إضافة إلى دميرتاش نفسه.
وكانت المحكمة الأوروبية قد قضت في 2018 ثم في حكم نهائي عام 2020 بأن احتجاز دميرتاش ينتهك حقوقه، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، وهي قرارات لم تُنفذ حتى الآن.
ويرى باكيرهان أن تطبيق هذه الأحكام قد يشكل خطوة أولى لبناء الثقة في مسار السلام، داعياً إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين أو إعادة محاكمتهم دون احتجاز.
اتهامات باستخدام القضاء سياسياً
في موازاة ذلك، اتهمت غُل تشيفتشي الحكومة باستخدام الجهاز القضائي كأداة للضغط على المعارضة وإسكات الخصوم السياسيين، معتبرة أن استمرار اعتقال شخصيات بارزة يعكس أزمة أعمق في سيادة القانون.
بين العدالة والسياسة ومسار السلام
تكشف هذه التطورات عن ترابط وثيق بين ملف الحريات السياسية ومسار التسوية مع الأكراد. فاستمرار احتجاز شخصيات مثل دميرتاش لم يعد مجرد قضية قضائية، بل تحول إلى مؤشر حاسم على مدى جدية السلطة في الانخراط في عملية سلام شاملة.
كما يعكس الجدل القائم حدود التوازن بين الأمن والسياسة في تركيا، حيث يتقاطع مسار العدالة مع حسابات السلطة، ما يجعل أي تقدم في ملف السلام رهيناً بإصلاحات مؤسسية حقيقية تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

