شهدت الساحة السياسية خلال عطلة نهاية الأسبوع جدلاً واسعاً عقب تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، الذي بات معروفاً بإثارة النقاشات مع كل موقف يعلنه. فقد قلّل من حدة التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل، واعتبره مجرد خطاب سياسي، داعياً في المقابل إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والطاقة.
غير أن جوهر الجدل لم يكن في توصيفه للعلاقات الثنائية، بل في طرحه لنموذج الحكم “الفعال” في الشرق الأوسط، حيث اعتبر أن الأنظمة القوية، لا سيما الملكيات “الرحيمة” أو الدستورية، هي الشكل الوحيد القادر على تحقيق الاستقرار، في حين تفشل النماذج الأخرى.
مفهوم “الملكية الرحيمة”: إشكالية المصطلح وتناقضاته
يرى لفند جولتكين أن استخدام مصطلح “الملكية الرحيمة” يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير التي يتم اعتمادها لوصف الأنظمة السياسية. فهل يمكن وصف أنظمة متهمة بانتهاكات جسيمة، مثل قتل الصحفيين أو القمع الواسع في المنطقة، بأنها “رحيمة”؟
ويشير إلى أن هذا الطرح يحمل في طياته تصوراً ضمنياً يعتبر شعوب المنطقة غير قادرة على ممارسة المواطنة الكاملة، بل محكومة بالبقاء ضمن علاقة “رعية” مع سلطة مركزية قوية، وهو ما يتناقض مع المبادئ الديمقراطية التي تدّعي الدول الغربية الدفاع عنها.
صمت رسمي لافت: قراءة في الموقف التركي
ينتقد جولتكين غياب رد فعل رسمي واضح من الجانب التركي تجاه هذه التصريحات، معتبراً أن هذا الصمت يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة التحولات السياسية في البلاد.
ففي الوقت الذي تُطرح فيه فكرة أن الشرق الأوسط يحتاج إلى “قيادة قوية” بدلاً من الديمقراطية، يرى أن تركيا قد انتقلت بالفعل إلى نموذج الحكم الفردي، بعد نحو قرن من التجربة الديمقراطية، وهو ما يجعل هذه التصريحات أكثر حساسية وتأثيراً.
التحول السياسي في تركيا: بين الداخل والخارج
يربط جولتكين بين تصريحات المبعوث الأمريكي وبين التحول الذي شهدته تركيا نحو النظام الرئاسي، معتبراً أن هذا التحول لا يمكن فصله عن سياقات دولية أوسع.
ويطرح تساؤلاً مركزياً: هل جاء هذا التحول نتيجة ديناميات داخلية بحتة، أم أنه يتقاطع مع تصورات خارجية تسعى إلى إعادة تشكيل أنظمة الحكم في المنطقة بما يتماشى مع مصالحها؟
ويذهب إلى أن تبني نموذج الحكم الفردي قد يجعل الدولة أكثر قابلية للتأثر بالضغوط الخارجية، سواء سياسياً أو اقتصادياً.
الإرث الديمقراطي التركي: حجة مضادة
في مواجهة الطرح القائل بعدم ملاءمة الديمقراطية للمنطقة، يشدد جولتكين على أن تركيا تمتلك تاريخاً ديمقراطياً يمتد لعقود، تميزت خلاله بوجود مؤسسات سياسية فاعلة، وتجربة انتخابية مستقرة نسبياً، ومحاولات مستمرة للاندماج مع أوروبا.
كما يلفت إلى أن تركيا كانت من الدول السباقة في منح النساء حق التصويت والترشح، حتى قبل بعض الدول الأوروبية، ما يعزز من حجة إمكانية نجاح النموذج الديمقراطي في البلاد.
من “مذكرة 1 مارس” إلى إعادة التفكير في بنية الدولة
يستحضر جولتكين تجربة رفض البرلمان التركي عام 2003 السماح باستخدام الأراضي التركية في الحرب على العراق، معتبراً أنها كشفت عن قوة النظام المؤسسي القائم على توازن السلطات، حيث رفض أغلب النواب البرلمانيين هذا الطلب، رغم المساعي الحثيثة التي بذلها رئيس الوزراء في ذلك الوقت رجب طيب أردوغان من أجل استصدار قرار برلماني يسمح بفتح الأراضي التركية للاستخدام الأمريكي في الحرب على العراق.
ويرى أن هذه التجربة أظهرت أن وجود مؤسسات متعددة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة قد يعرقل تنفيذ السياسات الخارجية لبعض القوى الكبرى، ما قد يدفعها إلى تفضيل نماذج حكم أكثر مركزية.
فرضية “المشروع الخارجي”: تحليل نقدي
يطرح جولتكين فرضية مفادها أن التحول نحو الحكم الفردي في تركيا قد يكون جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى إضعاف التوازن المؤسسي، وتقليص دور البرلمان، وتعزيز قابلية اتخاذ القرار المركزي.
ويشير إلى أن هذا النموذج، رغم أنه يمنح السلطة التنفيذية قوة أكبر، قد يؤدي في المقابل إلى تآكل الحياة السياسية وتراجع دور المؤسسات.
البعد الجيوسياسي: علاقة القيادة بالشرعية الدولية
يتناول التحليل أيضاً فكرة أن شرعية بعض القيادات في المنطقة قد باتت مرتبطة بعلاقاتها مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة. فالحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن قد يُنظر إليه كعامل أساسي لضمان الاستقرار السياسي.
ويرى جولتكين أن هذا النمط من العلاقات قد يؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة، بحيث يصبح مرتبطاً بالتوازنات الدولية أكثر من كونه نابعاً من الإرادة الشعبية.
نحو إعادة تشكيل النظام: الدستور والمرحلة المقبلة
يشير جولتكين إلى أن النقاش الدائر حول إعداد دستور جديد قد يكون جزءاً من محاولة ترسيخ نموذج الحكم الحالي بشكل أكثر ديمومة.
كما يلفت إلى أن هذا المسار قد يتضمن إدخال عناصر جديدة تعزز من مركزية السلطة، في ظل بيئة سياسية داخلية معقدة تتسم بـتصاعد الوعي المجتمعي وصعوبة تمرير التعديلات الدستورية وتوازنات برلمانية دقيقة.
خطاب “التهديد الخارجي”: أداة تعبئة داخلية
يرى جولتكين أن الخطاب السياسي الرسمي يعتمد بشكل متزايد على فكرة “البيئة الإقليمية الخطرة” أو “دائرة النار المحيطة”، كوسيلة لتبرير السياسات الداخلية وتعزيز الدعم الشعبي.
ويعتبر أن هذا الخطاب يُستخدم في ظل غياب حجج إقناعية كافية لتسويق التحولات السياسية الجارية.
بين التصريحات والواقع
يخلص جولتكين إلى أن تصريحات المبعوث الأمريكي ليست مجرد رأي عابر، بل تعكس رؤية أوسع لطبيعة الحكم في المنطقة، تتقاطع بشكل لافت مع التحولات السياسية في تركيا.
كما يشير إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجتمع التركي على الحفاظ على توازنه المؤسسي، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة.

