تشهد الأوساط السياسية الأوروبية حالة من القلق المتصاعد إزاء احتمالات اندلاع موجة نزوح جديدة باتجاه القارة، في ظل الحرب الدائرة مع إيران وما تحمله من تداعيات إقليمية مفتوحة. ويأتي هذا القلق في سياق تجارب سابقة لا تزال آثارها حاضرة، خاصة أزمة اللجوء الكبرى التي شهدتها أوروبا قبل عقد تقريبًا.
دعوة ألمانية للتحرك الاستباقي وتفادي سيناريو 2015
في هذا الإطار، حذّر ينس شبان، رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، من أن استمرار الحرب قد يدفع أعدادًا كبيرة من المدنيين إلى النزوح، ما يستدعي تحركًا أوروبيًا مبكرًا لتفادي تكرار سيناريو عام 2015، حين استقبلت أوروبا أكثر من مليون لاجئ، معظمهم فارّون من الحرب السورية.
وأكد شبان أن التعامل مع تداعيات النزاعات لا يجب أن يكون رد فعل متأخر، بل يتطلب تنسيقًا مسبقًا مع دول الجوار للمناطق المتأثرة، مشيرًا إلى أن التجربة السورية أثبتت سرعة تحوّل الأزمات إلى موجات نزوح واسعة.
الحرب على إيران وتداعياتها الإقليمية
تعود جذور التصعيد الحالي إلى الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، والتي أعقبها رد إيراني استهدف مواقع ومصالح أمريكية في دول الخليج، ما أدى إلى توسيع رقعة التوتر ورفع احتمالات عدم الاستقرار في المنطقة.
هذا التصعيد يثير مخاوف من تدفقات بشرية محتملة، خاصة من الدول المجاورة لإيران، في حال تفاقمت الأوضاع الأمنية والإنسانية.
تركيا في قلب الحسابات الأوروبية
شدد شبان على أن تركيا تمثل شريكًا محوريًا في أي استراتيجية أوروبية لاحتواء الهجرة، داعيًا إلى بدء محادثات مبكرة مع أنقرة لضمان إبقاء تدفقات اللاجئين ضمن نطاق المنطقة وعدم انتقالها إلى داخل أوروبا.
وتحتضن تركيا بالفعل ما بين 2.9 و3.2 مليون لاجئ سوري تحت نظام الحماية المؤقتة، ما يجعلها أكبر دولة مستضيفة للاجئين في العالم، كما أنها تلعب دورًا رئيسيًا في سياسات الهجرة الأوروبية منذ اتفاق عام 2016 مع الاتحاد الأوروبي، الذي هدف إلى الحد من عبور المهاجرين غير النظاميين نحو اليونان.
تشديد السياسات الأوروبية والبحث عن “دول ثالثة آمنة”
ضمن رؤيته لإدارة الأزمة، دعا شبان إلى تبني سياسات هجرة أكثر صرامة على مستوى ألمانيا والاتحاد الأوروبي، مع ضرورة إبرام اتفاقيات مع ما يُعرف بـ”الدول الثالثة الآمنة”، بحيث يتم احتواء موجات النزوح خارج الحدود الأوروبية قبل وصولها.
ويرى أن التأخر في اتخاذ هذه الإجراءات قد يؤدي إلى ضغط كبير على أنظمة اللجوء الأوروبية، كما حدث سابقًا.
انتقادات مستمرة لسياسات الاحتواء الخارجي
في المقابل، لا تزال هذه المقاربة الأوروبية، القائمة على التعاون مع دول العبور مثل تركيا، تواجه انتقادات من منظمات حقوقية، تعتبر أنها تنقل عبء إدارة اللاجئين إلى خارج أوروبا، رغم استمرار اعتمادها كخيار أساسي لدى صناع القرار الأوروبيين.
الاستعدادات التركية على الحدود مع إيران
على الجانب التركي، كشفت وزارة الداخلية عن إعداد خطط طوارئ للتعامل مع أي موجة نزوح محتملة من إيران قبل وصولها إلى الحدود التركية.
وتتضمن هذه الخطط ثلاثة سيناريوهات متدرجة العمل على احتواء حركة النزوح داخل الجانب الإيراني قبل وصولها إلى الحدود، وإنشاء مناطق عازلة وضبط التحركات عند الشريط الحدودي في حال تعذر الاحتواء المبكر، والسماح بالدخول المنظم إلى الأراضي التركية كخيار أخير وتحت شروط رقابية صارمة.
وأكد وزير الداخلية التركي أن المعابر الحدودية لم تشهد حتى الآن أي نشاط غير اعتيادي، وأن حركة الدخول والخروج لا تزال ضمن المعدلات الطبيعية.
سياق إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد
تأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة النزاع في الشرق الأوسط، بما قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، خصوصًا من الدول القريبة من بؤر التوتر. وتدرك العواصم الأوروبية أن أي تدهور مفاجئ قد ينعكس سريعًا على حدودها، ما يعزز من أهمية التحرك المبكر والتنسيق مع دول المنطقة.
خلاصة
التصعيد مع إيران أعاد إلى الواجهة هواجس اللجوء في أوروبا، مع دعوات للتحرك المبكر وتكثيف التنسيق مع تركيا. الرهان الأوروبي يتمحور حول احتواء الأزمة خارج حدوده قبل تحوّلها إلى موجة نزوح واسعة.

