سلّط الكاتب التركي المتخصص في العلاقات الدولية آيدوغان وطنداش في مقاله بموقع (TR724) الإخباري الضوء على التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل في الملف السوري، محاولاً الإجابة على سؤال محوري: إلى أي طرف ستنحاز الولايات المتحدة، في حال تحوّل التنافس الإقليمي إلى صدام مفتوح؟
وانطلق وطنداش المقيم في الولايات المتحدة من تصريحات مثيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعرب فيها عن إعجابه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واصفاً العلاقة بينهما بأنها “ممتازة”، بل وامتدح دور أنقرة في سوريا واعتبره نموذجياً، ما أثار انزعاجاً واضحاً في الأوساط الإسرائيلية.
ففي الوقت الذي يرى فيه ترامب أن على تركيا لعب دور أكبر في مستقبل سوريا، تعتبر تل أبيب هذا التوجه تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية. وقد رُصد هذا التوتر مؤخراً في الهجمات الجوية الإسرائيلية قرب قاعدة T-4 الجوية في محيط تدمر، والتي رُجّح أنها تحمل رسالة تحذير لأنقرة بشأن تمددها العسكري في المنطقة.
صدام دبلوماسي خلف الكواليس: لقاء في واشنطن
وفي سياق موازٍ، يكشف وطنداش عن تفاصيل جديدة بشأن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره الأمريكي ماركو روبيو في 25 مارس الماضي بواشنطن. وعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تحدّثت عن “تعاون بنّاء” و”رؤية مشتركة لاستقرار سوريا”، تؤكد مصادر مطلعة أن الاجتماع شهد توتراً كبيراً، خصوصاً بشأن الدعم التركي لحركة حماس والانتشار العسكري المتزايد لتركيا في سوريا.
وبحسب الكاتب، فإن روبيو لم يتردد في التعبير عن قلقه من السياسات التركية، في حين تمسّك فيدان بمواقف بلاده وشرح التحولات في الرؤية التركية حيال سوريا بنبرة وُصفت بالصلبة والدفاعية. ويبدو أن الانقسام بين الرئيس ترامب ووزير خارجيته يعكس تبايناً أوسع داخل دوائر صنع القرار الأمريكية بين الدعم الرمزي لتركيا والتماهي العملي مع إسرائيل.
تحالفات متجذرة: إسرائيل وعمقها داخل واشنطن
ويرى وطنداش أن توازنات القوة في واشنطن لا تميل بالضرورة لصالح تركيا. فبينما يملك ترامب هامشاً للعب دور الوسيط بين الطرفين، إلا أن اللوبي الإسرائيلي العميق في مؤسسات الدولة الأمريكية – السياسية والمالية والأمنية – يمنح تل أبيب أفضلية واضحة. ويشير الكاتب إلى استحالة تمرير صفقة بيع طائرات F-35 لتركيا في ظل المعارضة الإسرائيلية الشرسة لذلك، فضلاً عن تشكيك الكونغرس في تحالف أنقرة مع حماس، واستمرار الجدل حول منظومة S-400 الروسية.
كما أن شخصية روبيو، الذي لا يُعد وزيراً عادياً بل أحد أبرز مرشدي الحزب الجمهوري فكرياً، تجعل من الصعب على ترامب تجاوزه. ويؤكد وطنداش أن السياسة الأمريكية، رغم التقلبات الظاهرية، تظل في عمقها منحازة لإسرائيل باعتبارها “حليفاً لا غنى عنه” مقارنة بتركيا التي تُنظر إليها كشريك استراتيجي متقلب.
البُعد الديني والسياسي: بين التبشير والمهدوية
من بين أبرز المحاور التي يتطرق إليها الكاتب، العلاقة الوثيقة بين السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والتأثير الكبير للأوساط الإنجيلية المسيحية، التي ترى في بقاء إسرائيل وقوتها تجسيداً لنبوءات توراتية يجب دعمها بكل الوسائل. ومن هذا المنطلق، جاءت قرارات ترامب التاريخية، مثل اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل في 2017، استجابة لضغط هذه الفئة الدينية النافذة.
وبهذا المعنى، فإن دعم واشنطن لتل أبيب لا يستند فقط إلى حسابات واقعية باردة، بل إلى منظومة عقدية تؤمن بضرورة بقاء إسرائيل لتحقيق نهاية الزمان حسب العقيدة الإنجيلية. وهو ما يجعل انخراط إسرائيل في مواجهة مع تركيا في سوريا، وفق وطنداش، يتقاطع مع تصورات دينية لدى الطرفين؛ إذ يؤمن بعض أنصار أردوغان أيضاً بأن أي صدام كهذا سيكون بمثابة معركة مقدّسة، تؤدي إلى نصر إلهي.
“أرماجدون” تعود إلى الواجهة: صراع ديني أم سياسي؟
ويختتم الكاتب تحليله بتشبيه مثير، قائلاً إن السيناريوهات التي كان قد وضعها (وطنداش) في كتابه “أرماجدون: الحرب السرية بين تركيا وإسرائيل” قبل ثلاثين عاماً، تبدو اليوم أكثر قرباً من التحقق. فما كان يُنظر إليه كسيناريو افتراضي، تحوّل إلى احتمالات ملموسة بفعل التراكمات السياسية والدينية. ويلفت وطنداش إلى أن كلاً من أردوغان وترامب ونتنياهو يتصرفون وكأنهم مكلّفون بمهمات دينية كبرى، ما يجعل من أي مواجهة محتملة بين أنقرة وتل أبيب، صداماً لا تحكمه فقط معايير السياسة الواقعية، بل أيضاً ميثولوجيا دينية ومعتقدات تاريخية تتجاوز الجغرافيا.

