تمرّ الساحة السورية بتحولات استراتيجية دقيقة، لا سيما فيما يتعلق بالحضور العسكري الأمريكي وإعادة تموضعه في ضوء اعتبارات داخلية وخارجية معقدة. فقد بدأت واشنطن فعلياً في تقليص قواتها المتمركزة في سوريا، وسط مراقبة حثيثة من الأطراف الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل، اللتين تتقاطع مصالحهما أحياناً وتتعارض في أحيان أخرى، لا سيما في الشمال السوري حيث تتشابك الملفات الأمنية والعرقية والجيوسياسية.
ويشير البروفيسور سدات لاتشنير، في تحليل قدمه عبر صفحته على موقع “يوتيوب”، إلى أن هذا الانسحاب المحتمل لا يُقرأ فقط في سياق قرار عسكري أمريكي، بل يُعدّ جزءاً من إعادة رسم الخرائط الإقليمية وتحريك موازين القوى، مع ما يحمله من تداعيات على اللاعبين المحليين والدوليين.
أولاً: دوافع القرار الأمريكي وتاريخية التردد
منذ توليه الرئاسة عام 2019، عبّر دونالد ترامب صراحة عن رغبته في إنهاء التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، استناداً إلى رؤية ترتكز على تقليص النفقات الخارجية والتركيز على الشأن الداخلي، وتفادي تكرار التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان. غير أن هذه الرغبة واجهت مقاومة مؤسسية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً من البنتاغون والقيادة المركزية، اللتين دفعتا باتجاه إبقاء القوات على الأرض، بل وزيادتها في بعض الفترات إلى أكثر من ألفي جندي.
ومع عودة ترامب إلى المشهد السياسي في دورته الثانية، أعاد طرح ملف الانسحاب إلى الواجهة، مدفوعاً بمواقف شعبية مناهضة للتدخلات العسكرية الخارجية، ورغبة في توجيه الموارد نحو الداخل الأمريكي، خصوصاً في ظل ما يصفه لاتشنير بـ”تآكل الشرعية الشعبية للتدخلات الأمريكية الخارجية نتيجة الخسائر الاقتصادية والبشرية الفادحة”.
ثانياً: ملامح الانسحاب الأمريكي وإعادة التموضع الميداني
تشير معطيات ميدانية وتقارير أمريكية متقاطعة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل في خفض عدد جنودها في سوريا إلى نحو 1000 عنصر وربما أقل، مع إغلاق ثلاث قواعد رئيسية في الشمال الشرقي، منها قاعدة “غرين فيليج” وقاعدة “الفرات”. كما أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية نيتها إعادة تقييم الوضع خلال شهرين، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانسحاب التدريجي، أو حتى الانسحاب الكامل إذا ما اقتضت الحسابات السياسية ذلك.
حالياً، يتركّز الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا بالتعاون مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي تُعد الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، إضافة إلى قاعدة التنف جنوب شرق البلاد، على الحدود مع العراق والأردن. وفي المقابل، بدأت واشنطن تسليم بعض المهام الأمنية في مناطق مثل دير الزور وحمص إلى قوات تابعة للنظام السوري، وهو ما يشير، بحسب لاتشنير، إلى تغير جوهري في أولوياتها بعد تراجع خطر تنظيم داعش.
ثالثاً: أنقرة بين حسابات الفراغ وهواجس “قسد“
بالنسبة لتركيا، شكّل الوجود العسكري الأمريكي في سوريا عائقاً أمام تحقيق أهدافها الأمنية، خصوصاً فيما يخصّ إبعاد “قسد” عن حدودها، إذ تعتبر أنقرة هذه القوات امتداداً مباشراً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنّف كتنظيم إرهابي. ويؤكد البروفيسور لاتشنير أن الطموح التركي يتمثل في انسحاب أمريكي شامل يتيح لأنقرة ملء الفراغ الأمني والسياسي، وفرض واقع جديد في الشمال السوري يخدم استراتيجيتها الحدودية.
إلا أن هذه الرغبة تصطدم بعدد من العقبات، أبرزها عدم وضوح موقف واشنطن من “قسد” بعد الانسحاب، إذ ترجّح مصادر أمريكية استمرار دعمها لتلك القوات عبر قنوات غير عسكرية، كالدعم اللوجستي والمساعدات الإنسانية والاعتراف السياسي غير المباشر. كما أن اللقاءات الدبلوماسية المكثفة بين أنقرة وواشنطن في الأسابيع الأخيرة تشير إلى سعي الطرفين لتجنب التصادم المباشر وتنسيق الأدوار في مرحلة ما بعد الانسحاب.
رابعاً: الانقسام داخل الإدارة الأمريكية
ما يزال ملف الانسحاب يثير جدلاً واسعاً داخل الإدارة الأمريكية، إذ تحذر بعض الدوائر من أن تقليص التواجد العسكري قد يؤدي إلى تعزيز نفوذ إيران في سوريا، ويفتح المجال أمام النظام السوري لاستعادة مناطق خضعت سابقاً لسيطرة أمريكية غير مباشرة. كما تُطرح مخاوف من أن يؤدي الانسحاب إلى فراغ أمني يمكن أن تستغله جهات معادية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، سواء كانت جماعات مسلحة أو أطرافاً دولية مثل روسيا.
مع ذلك، يُظهر ترامب ميلاً واضحاً نحو تقليص التواجد، مع الإبقاء على خيار إعادة النظر في القرار وفقاً للتطورات الميدانية، ما يعكس، بحسب لاتشنير، تذبذباً استراتيجياً يحدّ من فعالية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
خامساً: الرؤية الإسرائيلية – تحذيرات من تمدد مزدوج
على الجانب الإسرائيلي، أثار إعلان الانسحاب الأمريكي قلقاً بالغاً، إذ ترى تل أبيب في بقاء القوات الأمريكية حاجزاً أمام تمدد النفوذ الإيراني ووكلائه في سوريا، كما تخشى من أن يؤدي انسحاب واشنطن إلى تمكين تركيا من ملء الفراغ، وهو ما قد يُفضي إلى ديناميات جديدة تهدد الأمن الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان.
وتسعى إسرائيل، وفق تحليل لاتشنير، إلى احتواء الطموح التركي جنوب حلب ودرء أي تحركات تهدف إلى نشر أنظمة دفاع جوي متطورة أو إقامة قواعد عسكرية تركية بالقرب من مناطق استراتيجية. في هذا السياق، تكثّف تل أبيب اتصالاتها مع واشنطن، وتدفع باتجاه الإبقاء على قوات رمزية على الأقل، لحفظ توازن الردع في وجه كل من إيران وتركيا.
سادساً: مآلات المشهد السوري – بين الانسحاب التدريجي والتنافس الإقليمي
يرى البروفيسور سدات لاتشنير أن الانسحاب الأمريكي، حتى وإن جرى على مراحل، سيعيد تشكيل المشهد السوري برمّته. فمن جهة، قد يُفسح المجال أمام أنقرة لتوسيع نفوذها وتأمين حدودها، لكنه من جهة أخرى قد يعمّق حالة الغموض حول مصير “قسد” واستقرار المناطق الكردية. كما أن استمرار الدعم غير المباشر الأمريكي لتلك القوات قد يُقيد التحركات التركية ويمنعها من تحقيق جميع أهدافها الأمنية.
وفي الوقت ذاته، لا تُخفي إسرائيل خشيتها من أن تتحول مناطق الفراغ إلى بؤر نفوذ إيراني، الأمر الذي قد يدفعها إلى تكثيف غاراتها الجوية أو حتى التنسيق غير المعلن مع أنقرة وواشنطن لضبط إيقاع الأحداث.
لحظة تحول مفصلية في الاستراتيجية الإقليمية
يقف المشهد السوري اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، تتقاطع فيها إرادة الانسحاب الأمريكي مع طموحات أنقرة وهواجس تل أبيب. ويؤكد البروفيسور سدات لاتشنير أن القرار الأمريكي لم يُحسم بعد بصورة نهائية، بل يخضع لمراجعة دائمة وفقاً للتطورات الميدانية والتوازنات الدولية. أما مستقبل الشمال السوري، فسيظل مرهوناً بدرجة التفاهم بين واشنطن وأنقرة، وحدود التنسيق بين المصالح التركية والإسرائيلية في ظل غياب المظلة الأمريكية المباشرة.
وفي ضوء ذلك، فإن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد معالم النظام الأمني والسياسي الجديد في سوريا، وما إذا كانت الساحة ستشهد استقراراً نسبياً، أم جولة جديدة من الصراع الإقليمي على النفوذ.

