أعادت اليونان إلى الواجهة أحد أكثر ملفاتها حساسية مع تركيا، بعدما أعلن وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابيتريتيس عزم بلاده المضي في توسيع نطاق مياهها الإقليمية، بما قد يشمل أجزاء من بحر إيجه، رغم التهديد التركي المعلن منذ عقود باعتبار أي خطوة من هذا النوع سبباً مباشراً للحرب. التصريحات، التي جاءت خلال جلسة برلمانية، لم تحدد المناطق المشمولة بالتوسيع، لكنها أكدت أن الخطوة باتت مطروحة بقوة في ضوء الترتيبات البحرية التي أبرمتها أثينا مؤخراً مع كل من إيطاليا ومصر.
المياه الإقليمية كأداة سيادية أحادية
تُعد مسألة توسيع المياه الإقليمية من الإجراءات القليلة التي يمكن لليونان اتخاذها بشكل أحادي دون الحاجة إلى اتفاقات ثنائية أو إقليمية، وهو ما يمنحها ثقلاً سيادياً خاصاً، لكنه في الوقت ذاته يجعلها نقطة اشتعال محتملة. فالمياه الإقليمية تمثل الامتداد البحري لسيادة الدولة، حيث تملك صلاحيات واسعة في مجالات الأمن والملاحة والتنظيم، مع الإبقاء على حق المرور البريء للسفن الأجنبية وفق القانون الدولي.
ستة أميال في إيجه… واثنا عشر في أيونيا
رغم تمسكها القانوني بحق توسيع مياهها الإقليمية إلى اثني عشر ميلاً بحرياً، أبقت اليونان لعقود نطاقها في بحر إيجه عند ستة أميال فقط، تفادياً لتصعيد مباشر مع تركيا. في المقابل، أقدمت أثينا فعلياً على توسيع مياهها الإقليمية في البحر الأيوني غرب البلاد إلى اثني عشر ميلاً، في خطوة اعتُبرت اختباراً عملياً لإرادتها السياسية دون كلفة إقليمية مباشرة.
الخط الأحمر التركي ومعادلة الجغرافيا
ترى أنقرة أن تطبيق قاعدة الاثني عشر ميلاً في بحر إيجه يختلف جذرياً عن أي منطقة بحرية أخرى، بسبب الطبيعة الجغرافية الخاصة للبحر المكتظ بالجزر اليونانية، وكثير منها يقع على مسافات قريبة جداً من السواحل التركية. وتخشى تركيا من أن يؤدي التوسيع إلى تحويل مساحات واسعة من إيجه إلى مياه خاضعة للسيادة اليونانية، ما قد يقيّد وصولها إلى أعالي البحار، ويمنح أثينا نفوذاً أمنياً وتنظيمياً أوسع في مناطق حيوية للملاحة.
جذور نزاع تتجاوز خط الساحل
لا يقتصر الخلاف بين البلدين على المياه الإقليمية فحسب، بل يمتد إلى قضايا أعمق تتعلق بالجرف القاري، وترسيم مناطق النفوذ في قاع البحر، وما يرتبط بذلك من حقوق محتملة في موارد الطاقة. كما ينعكس النزاع على المجال الجوي، ودوريات الطيران، وترتيبات الأمن في شرق المتوسط، ما يجعل أي خطوة أحادية قابلة للتوسع إلى أزمة متعددة الأبعاد.
تهدئة حذرة رغم الخلافات المستمرة
تأتي تصريحات وزير الخارجية اليوناني في مرحلة يسعى فيها الطرفان إلى الحفاظ على مستوى توتر أدنى مقارنة بفترات سابقة شهدت حشوداً عسكرية ومواجهات سياسية حادة. ومع ذلك، لا تزال الخلافات تعاود الظهور دورياً، سواء في إيجه أو شرق المتوسط، كما ظهر مؤخراً مع إعلان اليونان عن خطط لإنشاء محميات بحرية، بما في ذلك منطقة في بحر إيجه أثارت اعتراضاً تركياً صريحاً.
بين القانون والسياسة
تؤكد أثينا أن التهديد التركي باستخدام القوة يتعارض مع قواعد القانون الدولي، فيما تصر أنقرة على أن خصوصية إيجه تجعل أي تغيير في الوضع القائم مسألة تمس أمنها القومي بشكل مباشر. وبين هذين الموقفين، تبقى خطوة توسيع المياه الإقليمية اختباراً دقيقاً للتوازن بين الحقوق القانونية والحسابات الجيوسياسية.
خلاصة
إعلان اليونان نيتها توسيع مياهها الإقليمية يعيد ملف إيجه إلى دائرة الخطر السياسي، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين حق سيادي معترف به قانونياً وخشية تركية من اختلال استراتيجي في بحر شديد الحساسية. ورغم محاولات التهدئة، يظل هذا الملف مرشحاً لإعادة إشعال التوتر في أي لحظة.

