في تسجيل جديد، أوضح المحلل السياسي التركي المعروف كمال أوزكراز، مالك شركة “أوراسيا” لاستطلاعات الرأي، أن ما يقدمه من آراء ليس لمجرد إثارة الجدل أو جلب مشاهدات، بل هو قراءة معمقة في المشهد السياسي التركي الراهن، المليء بالتناقضات، خصوصاً بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وما أعقب ذلك من تحولات في خطاب السلطة.
موقف بهجلي: العدالة أولاً قبل أي مسار سياسي جديد
استند أوزكراز في تحليله إلى مقال للكاتب ممتازر توركونه، تناول فيه تصريح رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي، بشأن ضرورة تسريع البت في قضية إمام أوغلو. واعتبر توركونه – كما أوزكراز – أن بهجلي يرى بأن أي “عملية سلام” جديدة مع الأكراد تتطلب أولاً بيئة قانونية عادلة ومستقلة، فلا يمكن الحديث عن مصالحة سياسية في مناخ تغيب فيه ثقة المجتمع في القضاء.
اعتقال إمام أوغلو: محاولة فاشلة لتحييد الخصم السياسي
يشير أوزكراز إلى أن السلطة، وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان، سعت إلى تحييد إمام أوغلو عبر قرار قضائي مفاجئ، جاء دون تخطيط محكم، وبدوافع سياسية أكثر منها قانونية. وبحسبه، فإن النظام كان يراهن على أن “عملية الانفتاح” تجاه الأكراد ستعوض خسارته في إسطنبول، عبر كسب تأييد الأكراد وبالتالي تسهيل قمع المعارضة، لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها.
“الإفراج حتمي”.. أوزكراز يعدد الأسباب
يؤكد أوزكراز أن الإفراج عن إمام أوغلو بات حتمياً لعدة أسباب:
- البيئة السياسية لا تساعد على تنفيذ عمليات قمع واسعة، في ظل فقدان الثقة العام بالقضاء.
- المجتمع لا يصدق رواية السلطة حتى وإن افترضنا صدقية الاتهامات الموجهة لإمام أوغلو، لأن الناس يعتبرون أن النظام يستغل القضاء للانتقام من خصومه.
- الاستطلاعات المتكررة التي تظهر تراجع التأييد لأردوغان حتى في أوساط ناخبيه، مما يعني أن استمرار احتجاز إمام أوغلو سيكلف النظام ثمناً سياسياً باهظاً.
- فشل خطاب السلطة في إقناع الشارع بأن إمام أوغلو يشكل خطراً حقيقياً، بل يُنظر إليه على أنه ضحية “كمين سياسي”.
“العفو العام” هو الحل الوحيد لتحرير أوجلان وإمام أوغلو معاً
يرى أوزكراز أن الحكومة لن تستطيع تمرير أي اتفاق سلام مع الأكراد – بما فيه الإفراج عن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان – ما لم تُغلف هذه الخطوة بعفو عام شامل، يشمل إمام أوغلو كذلك، مما يسمح بإخراجه دون تحمل كلفة سياسية مباشرة. فإطلاق سراح زعيم حزب العمال الكردستاني دون “شرعية قضائية موازية” سيعد انتحاراً سياسياً، حتى في صفوف أنصار أردوغان.
البيئة الاقتصادية: الشرط الحاسم في الموقف الشعبي
يضيف أوزكراز أن البيئة الاقتصادية الكارثية الحالية – حيث يعجز المواطن عن دفع الإيجار، ويشهد مستوى المعيشة انهياراً غير مسبوق – لا تسمح بتمرير أي خطوات سياسية قمعية.
ففي ظل انهيار القدرة الشرائية، وتراجع عدد ملاك المساكن، وارتفاع نسبة الفقر، لم يعد الناس يصدقون أن النظام يلاحق الفاسدين، بل يعتبرونه يستغل مؤسسات الدولة لضرب المعارضة هرباً من المساءلة.
الرسالة الأخيرة: التاريخ يعيد نفسه
يتوقع أوزكراز أن السيناريو الأقرب هو فرض حظر سياسي على إمام أوغلو عبر حكم صوري، ثم الإفراج عنه مع منعه من الترشح مستقبلاً، كما حدث مع أردوغان نفسه في بدايات الألفية. ويضيف أن الدولة التركية تمر حالياً بأطول أزمة اقتصادية في تاريخها، بدأت منذ عام 2012 وتفاقمت بعد استفتاء 2017، وهي بيئة لا يمكن فيها لأي سلطة تنفيذ مشاريع سياسية كبرى مثل “الانفتاح” أو الإفراج عن أوجلان، أو حتى جذب الاستثمارات.

