في تطور غير مسبوق على الساحة الحقوقية الدولية، أقرت هيئة الهجرة واللجوء الكندية بحق عدد من المواطنين الأتراك في الحصول على اللجوء السياسي، استناداً إلى انتمائهم أو دعمهم لحزب الشعب الجمهوري، الحزب المعارض الرئيسي في تركيا.
القرار، الذي صدر في قضايا منفصلة خلال شهر يوليو، يعكس تحولاً في مقاربة السلطات الكندية تجاه المخاطر التي تواجه معارضي الحكومة التركية، بعد سنوات من الجدل حول حدود الاضطهاد السياسي في البلاد.
الهيئة اعتبرت أن دعم حزب الشعب الجمهوري، في ظل المناخ السياسي الحالي، يُعد تعبيراً عن رأي سياسي يعرّض صاحبه لخطر الملاحقة والاعتقال، مؤكدة أن استخدام أنقرة الواسع لقوانين مكافحة الإرهاب منذ عام 2016 حوّل القضاء إلى أداة سياسية لتكميم المعارضة.
ملفات إنسانية تكشف عمق الأزمة الحقوقية
أحد الملفات التي تناولتها الهيئة يتعلق بأسرة تركية شاركت في احتجاجات مناهضة للحكومة منذ عام 2013، وتعرّضت لاحقاً للاعتقال أثناء عملها كمراقبين في الانتخابات الأخيرة عام 2023. كما شاركت الأسرة في مظاهرات بكندا احتجاجاً على سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
الهيئة اعتبرت الوثائق والصور ومشاركات الأسرة في فعاليات الحزب أدلة قاطعة على انخراط سياسي مستمر، ورأت أن خطر الاضطهاد بحقهم يمتد إلى جميع مناطق تركيا، وليس محصوراً في مكان محدد.
قضية ثانية تكشف البعد العرقي والطائفي
القرار الثاني شمل مواطناً تركياً من أصول كردية علوية، ناشطاً في صفوف حزب الشعب الجمهوري منذ عام 2010، شارك في الحملات الانتخابية وتعرض للاعتقال مرتين على خلفية مشاركته في الاحتفالات القومية وتوزيع منشورات حزبية.
وبحسب الهيئة، فإن الجمع بين انتمائه الحزبي وهويته الكردية والعلوية يجعله عرضة لتمييز منهجي واعتداءات متكررة، خاصة في ظل التوسع في استخدام قوانين الإرهاب ضد المشاركين في الاحتجاجات أو مراقبي الانتخابات.
كما أشارت الهيئة إلى أن النظام الإلكتروني الرسمي في تركيا المعروف بـ“E-Devlet” بات يُستخدم لرصد الانتماءات السياسية للمواطنين، مما يؤدي إلى إقصاء أنصار المعارضة من الوظائف العامة وتعريضهم للفصل أو الملاحقة.
تحول في الموقف الدولي تجاه المعارضة التركية
تشكل هذه الأحكام منعطفاً في تعامل كندا مع قضايا اللجوء السياسي القادمة من تركيا، حيث كانت طلبات أنصار حزب الشعب الجمهوري تُرفض سابقاً بحجة أن الحزب يمارس نشاطه بشكل قانوني داخل البلاد. غير أن تزايد الاعتقالات وإحالة عشرات رؤساء البلديات إلى المحاكم أو السجون على خلفيات سياسية أعاد رسم الصورة لدى الهيئات القضائية الغربية.
ويؤكد مراقبون أن القرارات الأخيرة تعكس اتساع القناعة الدولية بأن المعارضة التركية، رغم شرعيتها الدستورية، أصبحت هدفاً لسياسة ممنهجة من التضييق والعقاب، خصوصاً بعد صعود الحزب في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2024، والتي أطاحت بعدد من مرشحي حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى.
“انقلاب قضائي” ضد صناديق الاقتراع
منذ فوز حزب الشعب الجمهوري الساحق في الانتخابات البلدية الأخيرة، يواجه الحزب ما يسميه “انقلاباً قضائياً” يستهدف إرادة الناخبين. تقارير الحزب تشير إلى أن ستة عشر رئيس بلدية تابعين له ما زالوا في السجون، فيما تم تعيين أوصياء حكوميين على ثلاثة عشر بلدية أخرى، بذريعة الفساد أو دعم الإرهاب.
وتؤكد هذه التقارير أن السلطة التنفيذية حولت المحاكم إلى أدوات سياسية لإعادة السيطرة على الإدارات المحلية التي فقدها الحزب الحاكم، وسط استمرار حملات الاعتقال ضد كوادر المعارضة.
اعتقال إمام أوغلو وتزايد التوتر السياسي
يبرز ضمن المشهد العام اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، المرشح الأبرز للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، بعد توجيه اتهامات له بالفساد فور إعلان ترشيحه رسمياً. الخطوة التي اعتبرها مراقبون تصعيداً سياسياً خطيراً، أشعلت موجة احتجاجات في مختلف المدن التركية، وسط اتهامات للحكومة بمحاولة إقصاء منافسها الأبرز من السباق الانتخابي عبر القضاء.
ويؤكد محللون أن هذا التطور كان عاملاً محورياً في تغير نظرة المؤسسات الدولية لواقع الحريات السياسية في تركيا، حيث بات واضحاً أن المعارضة تواجه تضييقاً منظماً يهدد بنسف أسس التعددية السياسية.
غياب الرد الرسمي وتزايد العزلة السياسية
لم يصدر عن أنقرة أي تعليق رسمي على قرارات اللجوء الكندية، غير أن الحكومة التركية دأبت على نفي وجود اضطهاد سياسي داخل البلاد، معتبرة التقارير الغربية “مسيسة ومغرضة”. ومع ذلك، يرى مراقبون أن صمت الحكومة يعكس قلقاً من تصاعد الاعتراف الدولي بطبيعة الأزمة الحقوقية في تركيا، خاصة في ظل التراجع الحاد في مؤشرات حرية التعبير واستقلال القضاء.

