في مقالها مقالها بمجلة Foreign Policy الأميركية، تقول الكاتبة التركية ومديرة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط غونول تول إنّ الآمال قد عادت لتُزهر في نفوس كثير من الأكراد في تركيا، بعد عقود من القمع، مع إطلاق محادثات جديدة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزعيم حزب العمال الكردستاني(PKK) عبد الله أوجلان، المسجون منذ عام 1999 في جزيرة إمرالي.
هذه المباحثات، التي جاءت بالتوازي مع إعلان حزب العمال الكردستاني التخلي عن الكفاح المسلح وحلّ نفسه في مايو 2025، اعتُبرت تاريخية، وحظيت بترحيب من سياسيين أكراد اعتبروها فرصة للسلام والاعتراف بالحقوق الأساسية للأكراد.
تحذير من التفاؤل المفرط
تحذّر تول، وهي ألفت كتابا بعنوان: “ حرب أردوغان: صراع مستبد في الداخل وسوريا” من الانجرار خلف التفاؤل، مؤكدة أن السوابق التاريخية للأوتوقراطيين، في تركيا وخارجها، تظهر أنهم نادرًا ما ينهون الصراعات العرقية بصدق، بل يستخدمونها كوسيلة لإحكام القبضة على السلطة، لا لحل جذورها السياسية والاجتماعية.
وتضيف أن أردوغان ليس استثناءً، بل يُمارس النمط ذاته الذي استخدمه رئيس سريلانكا السابق ماهيندا راجاباكسا بعد هزيمة “نمور التاميل” في 2009. فرغم وقف إطلاق النار حينها، استُخدم النصر العسكري كأداة لتعزيز القومية وتقويض الديمقراطية، لا لتحقيق العدالة أو المصالحة.
الدرس السريلانكي: قمع باسم السلام
في سريلانكا، استمرت الانتهاكات بحق التاميل بعد إعلان نهاية الحرب. لم تُجرَ تحقيقات جدية بجرائم الحرب، وظلت الأراضي تُنتزع من السكان التاميل دون محاسبة، وتم قمع المظاهرات واعتقال الطلبة وتهميش السياسيين.
تقول تول إن ما حدث هناك يُبرز كيف أن “السلام” قد يتحوّل إلى غطاء لقمع أعمق ومركزيّة سلطة أشد، وهو ما تخشى أن يتكرر في تركيا.
أردوغان وعادة توظيف القضية الكردية لأغراض سياسية
تستعرض الكاتبة التاريخ الحديث لعلاقة أردوغان بالقضية الكردية، مؤكدة أنه استغلها مرارًا لأغراض سياسية داخلية. ففي عام 2005، ألقى أردوغان خطابًا تاريخيًا في ديار بكر أقرّ فيه بفشل الدولة في التعامل مع الأكراد، ودعا لمزيد من الديمقراطية. لكنه في الواقع كان يستميل الناخبين الأكراد والليبراليين للحد من سلطة المؤسسة العسكرية.
وفي 2009، بدأ ما سُمي بـ”الانفتاح الكردي”، في الوقت الذي كان يسعى فيه للحصول على دعم الأكراد في استفتاء دستوري يُضعف القضاء والمؤسسة العسكرية، وهو ما تحقق لاحقًا.
تقول تول إن هذه المبادرات لم تكن أكثر من أدوات تكتيكية، انقلب عليها أردوغان لاحقًا حينما لم تعد تخدم أهدافه، ليعود إلى التصعيد الأمني واللغة القومية، لا سيما بعد الأحداث التي شهدها عام 2015.
عملية السلام الحالية: تفاوض أم مناورة؟
ترى تول أن الخلل في الإطار المفاهيمي للمحادثات الحالية واضح؛ إذ إن أردوغان يُصوّرها كجزء من “مكافحة الإرهاب”، بينما يراها الأكراد طريقًا لتحقيق مطالب ديمقراطية. وهذا التباين يعكس أزمة نوايا.
وتضيف أن هذه المفاوضات ساهمت في شق صفوف المعارضة، وأثارت حفيظة من كانوا سابقًا داعمين لحل القضية الكردية، معتبرين أن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد أصبح أداة بيد أردوغان لتعزيز حكمه الفردي، لا لإحداث تحوّل ديمقراطي.
وثيقة أوجلان ومسار التوظيف السياسي
تشير تول إلى أن الوثيقة السياسية التي أصدرها أوجلان مؤخرًا، والتي تدعو إلى حل سلمي شامل، قد تُستغل في إطار مناورة أردوغان لتقديم نفسه كصانع سلام دولي، في وقت تتزايد فيه الضغوط عليه داخليًا وخارجيًا.
وترى أن أردوغان لا يسعى لمشاركة السلطة، بل لتكريس هيمنته، كما فعل بعد المحاولات السابقة للانفتاح، وهو ما قد يجعل هذه الجولة من المحادثات، كما سابقتها، أداة تأجيل لا حل.

