أكد البروفيسور صواش جنتش أنّ التطورات الأخيرة في تركيا كشفت عن مزيج من الارتباك القضائي والسياسي؛ فبعد أن جرى فتح دعوى لإلغاء آخر المؤتمرات العامة لحزب الشعب الجمهوري بهدف إعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب، قررت المحكمة تأجيل البت من دون اتخاذ أي إجراء احترازي، في خطوة رآها المراقبون محاولة لـ”كسب الوقت” وإظهار أن كل شيء يجري في إطار قانوني، وكأن السلطة التنفيذية ليست طرفاً في هذه العملية.
مبادرة فاشلة من جانب غرسيل تكين
تزامناً مع هذا المشهد، تقدّم القيادي المعين بقرار قضائي، غرسيل تكين، بطلب رسمي إلى اللجنة الانتخابية في إسطنبول لعقد مؤتمر إقليمي للحزب، إلا أن الطلب رُفض بحجة أنّ الصلاحية تنحصر بالمقر المركزي للحزب. ويرى جنتش أنّ هذه الخطوة تثير سؤالين مهمين: هل أقدم تكين على هذه المبادرة دون الرجوع إلى القوى (أي نظام أردوغان) التي دفعته إلى موقعه؟ أم أن الرجل تُرك عمداً في العراء لإعطاء صورة مضللة عن استقلالية القضاء؟
حدود القوة المطلقة للنظام
ويؤكد جنتش أن هذه الوقائع كشفت أنّ ما يبدو “سلطة مطلقة” في يد السلطة الحاكمة، يمكن أن يُحاصر بثلاثة عوامل أساسية: أولها الوضع الاقتصادي المتدهور الذي يجعل أي مغامرة سياسية غير قابلة للتسويق في الأسواق. ثانيها التحركات الشعبية والمعارضة المتأهبة للنزول إلى الشارع، كما برز في استعدادات الحزب الجمهوري وتنظيمه لمظاهرة “تاندوغان”. أما العامل الثالث فهو الضغوط الدولية، إذ يصعب تصور بقاء تركيا داخل المظلة الأطلسية إذا أُطيح بما تبقى من الحياة السياسية التعددية.
المعارضة بين الانقسام والوحدة
يشير جنتش إلى أن القصر الرئاسي (أردوغان) كان يراهن على أن تؤدي الاعتقالات بحق كوادر الحزب إلى انقسام داخلي، وأن يحمّل بعض القياديين مثل أوزجور أوزيل مسؤولية “تعكير صفو” التوازنات القديمة، غير أن النتائج جاءت عكسية. فقد أظهرت المعارضة تماسكاً أكبر، وأثبتت قدرتها على المقاومة، بل تحولت الاعتقالات إلى عامل يرسّخ وحدة الحزب. وهكذا تجاوز الحزب صورته التقليدية كإطار للنخب المتقاعدة، ليصبح مدرسة جديدة للمقاومة السياسية.
درس للنظام ومعضلة المستقبل
بحسب جنتش، فإن النظام الحاكم واجه مفارقة واضحة: فمحاولة تسليم الحزب إلى شخصية ضعيفة مثل كليتشدار أوغلو قد تؤدي في النهاية إلى تقوية منافسيه الأبرزين، أوزجور أوزيل وأكرم إمام أوغلو. وهذا ما جعل النظام يتراجع خطوة إلى الوراء. لكن ذلك لا يعني، بحسب جنتش، أن تركيا دخلت مرحلة “التطبيع”، بل على العكس، ما زالت تحت حكم نظام محاصر بالأزمات، غير قادر على التراجع، ومستعد في أي لحظة للقيام بخطوات مفاجئة.
اقتصاد تابع للسياسة
ويضيف جنتش أنّ الأسواق المالية أرسلت إشارات مباشرة عقب هذه التطورات: البورصة حققت قفزات متتالية، وانخفضت كلفة التأمين على الديون، كما ارتفعت عوائد السندات. كل ذلك يعكس أن مجرد اقتراب البلاد من المسار القانوني والسياسي الطبيعي ينعكس فوراً إيجاباً على الاقتصاد، ما يثبت أن استعادة المؤسسات الدستورية كفيلة بإطلاق طاقات النمو.
شرخ داخل التحالف الحاكم
وفي موازاة ذلك، ظهرت إشارات توتر داخل التحالف الحاكم؛ فقد أثارت التغييرات الأخيرة في مواقع حساسة كمديريات الأمن موجة اعتراض مبطنة من حزب الحركة القومية، الذي لمّح عبر صحيفة “ترك غون” إلى وجود “بنية موازية” تعمل خلف الكواليس. ويفسر جنتش ذلك بأن النظام يمرّ بمرحلة إعادة تشكّل داخلية، قد تؤدي إلى إعادة فرز موازين القوى في أعلى هرم السلطة.
يرى البروفيسور صواش جنتش أنّ المشهد التركي الراهن يعكس حدود النظام القائم: قوة غاشمة من دون رؤية استراتيجية، ومعارضة تتعلم تدريجياً فنون المقاومة السياسية. ورغم محاولات الالتفاف القضائي، فإن موازين الشارع والاقتصاد والتحالفات الدولية تضع سقفاً لأي مشروع لإلغاء التعددية السياسية في تركيا.

