تغير في النغمة داخل البيت الإعلامي الحكومي
في تطور لافت يعكس حجم التباين داخل الدوائر الموالية للحكومة التركية، نشرت صحيفة “يني شفق” المقربة من السلطة، في عددها الصادر يوم الإثنين، انتقادًا لاذعًا للسياسات الاقتصادية الراهنة، في خطوة اعتُبرت بمثابة هجوم غير مباشر على وزير الخزانة والمالية الحالي، محمد شيمشك، مع إبراز إيجابي للفترة التي قاد فيها نوري الدين نباتي الوزارة قبله.
هجوم مبطن: رفع الفائدة وتراجع النمو
في تقرير حمل عنوان: “الفائدة ترتفع، الليرة تتراجع، التضخم لا يتراجع: الإنتاج يقل والصناعة تتعثر”، تجنبت الصحيفة ذكر اسم شيمشك بشكل مباشر، لكنها أشارت إلى “تحول حاد في إدارة السياسة الاقتصادية قبل عامين”، في إشارة واضحة إلى تعيين شيمشك في يونيو 2023 عقب الانتخابات العامة.
ووفق الصحيفة، فإن السياسات الاقتصادية الحالية، والتي تتمثل في العودة إلى النهج “الأرثوذكسي” القائم على رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، فشلت في تحقيق أهدافها، بل أثّرت سلبًا على النمو والإنتاج الصناعي، مما دفع الصحيفة إلى وصف الوضع الاقتصادي الراهن بأنه “انهيار عقلاني”، في تلاعب ساخر بوعد شيمشك عند توليه المنصب بـ”إعادة السياسات العقلانية”.
شيمشك: العودة إلى الأرثوذكسية.. والتحديات تتراكم
عُيِّن محمد شيمشك في حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بعد الانتخابات العامة في مايو 2023، في محاولة لاستعادة الثقة بالاقتصاد وتجاوز أزمة غلاء المعيشة. جاء التعيين كمؤشر على تخلي الحكومة جزئيًا عن نظريتها الاقتصادية المثيرة للجدل، والتي تقول إن ارتفاع الفائدة يسبب التضخم – وهي نظرية يتبناها أردوغان وتتناقض مع الإجماع الاقتصادي العالمي.
وبالفعل، بدأ البنك المركزي تحت إشراف شيمشك سلسلة من الزيادات المتتالية في سعر الفائدة، لتبلغ 50%، قبل أن يتجه إلى تثبيتها لعدة أشهر، ثم رفعها مجددًا في 17 أبريل بمقدار 3.5 نقطة مئوية لتصل إلى 46%، وفق بيان رسمي للجنة السياسة النقدية.
لكن بحسب “يني شفق”، فإن هذه السياسات تسببت في تباطؤ الإنتاج الصناعي، وتآكل القدرة الشرائية، وفشل في خفض التضخم بشكل ملموس.
أرقام التضخم وتراجع الآمال
منذ عام 2019، تعاني تركيا من تضخم مزدوج الأرقام، بلغ ذروته في أكتوبر 2022 عند 85.5%. وبالرغم من انخفاضه التدريجي، فإنه لا يزال عند مستويات مرتفعة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وصوله إلى 38%، مقارنةً بنحو 60% عند استلام شيمشك للوزارة.
ورغم السمعة الإيجابية التي كان يحظى بها شيمشك في الأسواق خلال الفترة بين 2009 و2018 حين شغل منصب وزير المالية ثم نائب رئيس الوزراء، إلا أن ولايته الحالية طغت عليها الشائعات المتكررة حول استقالته المحتملة – وهي شائعات نفاها حتى الآن.
إشادة ضمنية بحقبة نباتي: الفائدة المنخفضة والنمو المرتفع
وبينما تجنبت الصحيفة ذكر اسم نوري الدين نباتي مباشرة، فإنها أشادت ضمنيًا بالفترة التي تولى فيها منصب وزير المالية بين ديسمبر 2021 ويونيو 2023. واعتبرت أن تركيا – رغم التحديات الكبرى مثل جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والزلازل المدمرة في فبراير 2023، والانتخابات العامة – تمكنت من الحفاظ على النمو عبر دعم الإنتاج والصادرات والتوظيف، بفضل سياسة الفائدة المنخفضة.
وذهبت الصحيفة إلى المقارنة بين تلك المرحلة والسياسات الحالية، قائلة إن البلاد “تُكافح منذ عامين تحت عبء الفوائد المرتفعة”، معتبرة أن “السياسة النقدية الأرثوذكسية، التي تركز على الفائدة كحل وحيد، فشلت في كبح التضخم وأثقلت كاهل الاقتصاد.”
تأثير تحرير الصحيفة على صنع القرار السياسي
هذا التحول في خطاب “يني شفق” ليس معزولًا. فقد سبق أن لعبت الصحيفة دورًا مباشرًا في تشكيل السياسة الاقتصادية. ففي مارس 2021، وبعد أن رفع محافظ البنك المركزي حينها، ناجي إقبال، سعر الفائدة من 17% إلى 19%، نشرت الصحيفة عنوانًا لافتًا: “من أمر بهذه العملية؟”، ليُقال إقبال بعد وقت قصير، ويُعيَّن بديله من كتاب الصحيفة، شهاب قافجي أوغلو.
كما واصلت الصحيفة نهجها الهجومي بعد تعيين فاتح كراهان خلفًا لحفيظة غايه أركان، التي استقالت من منصبها كمحافظة للبنك المركزي في فبراير 2024، منتقدة توقعاته التضخمية تحت عنوان: “رفع التوقعات، ولوم الشعب.”
صراع مراكز داخل النظام أم تباين في التوجهات؟
يوحي موقف “يني شفق” بوجود تباين داخل أروقة القرار التركي بين مؤيدي النهج الأرثوذكسي الاقتصادي بزعامة شيمشك، والمدافعين عن السياسات ذات الطابع التوسعي التي سادت قبل 2023. وقد يشير هذا إلى صراع داخلي بين مراكز القوى في الدولة حول إدارة الاقتصاد، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة واستمرار الضغط الشعبي.

