عاد ملف السجناء المرضى في تركيا إلى الواجهة بعد تدهور صحة السجين إبراهيم غونغور، البالغ من العمر 73 عاماً والمصاب بمرض الزهايمر، والذي نُقل مجدداً إلى العناية المركزة في مستشفى مدينة إزمير إثر تدهور خطير في وضعه الصحي عقب إعادته إلى السجن بداية الشهر الجاري، في قضية تعكس الجدل المستمر حول معاملة المعتقلين المرضى في السجون التركية.
تدهور صحي ونقل عاجل إلى المستشفى
غونغور، المحكوم عليه بالسجن لأكثر من ثماني سنوات بتهم مرتبطة بحركة الخدمة، يعاني أيضاً من السكري ومشاكل البروستاتا. وقد نُقل يوم الخميس من سجن منمن في ولاية إزمير إلى مستشفى المدينة بعد إصابته بفشل تنفسي وحمى مرتفعة، حيث أُدخل إلى وحدة العناية المركزة ووُصفت حالته بأنها حرجة.
ابنته، روميساء غونغور، أعلنت أن العائلة لم تُبلَّغ رسمياً بنقله إلى المستشفى، بل علمت بالخبر عند اتصالها بالسجن لترتيب زيارة. وكتبت على منصة “إكس“: “نحن قلقون للغاية من أن نفقده، لقد تحطمنا تماماً“.
تاريخ من التدهور والإهمال الطبي
العائلة كانت قد لاحظت خلال زيارة في الخامس والعشرين من يوليو علامات تدهور خطير على حالته، حيث فقد وعيه أثناء الزيارة. ورغم أن طبيب السجن لم يرَ حينها مشكلة عاجلة، إلا أن غونغور نُقل في الليلة نفسها إلى المستشفى ذاته وظل فيه عشرة أيام قبل أن يُعاد إلى محبسه.
تؤكد أسرته أن حالته الصحية تتراجع منذ بداية العام، حيث فقد القدرة على التعرف على ابنته خلال بعض الزيارات. ويُذكر أنه خضع في عام 2022 لعملية جراحية في الدماغ لعلاج الاستسقاء الدماغي، وزُرع له أنبوب لتخفيف الضغط.
القانون يتيح الإفراج… والسلطات ترفض
ينص القانون التركي رقم 5275 على إمكانية تعليق العقوبة بحق السجناء المصابين بأمراض خطيرة أو إعاقات تمنعهم من إدارة حياتهم اليومية في السجن، شرط ألا يشكلوا خطراً على المجتمع. إلا أن تطبيق هذا النص غالباً ما يُهمل، وهو ما حدث مع غونغور الذي اعتبرت هيئة الطب الشرعي أنه “لائق للبقاء في السجن“.
هذه الهيئة تتعرض بانتظام لانتقادات حقوقية بسبب تقاريرها التي توصف بأنها خاضعة للتأثير السياسي، وتساهم في استمرار معاناة المعتقلين المرضى، وهو ما يجعلها في صميم الجدل حول استقلالية القضاء في تركيا.
خلفية القضية: من الجامعة إلى الزنزانة
غونغور كان يشغل منصب مدير شؤون الطلاب في جامعة “غيديز” بمدينة إزمير، وهي إحدى المؤسسات التعليمية المرتبطة بحركة كولن التي أُغلقت بمرسوم حكومي بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016.
الاتهامات الموجهة إليه تضمنت تنظيم لقاءات دينية مع أفراد من الحركة، وتشجيع المشاركة في أنشطتها، وجمع تبرعات لدعم الطلاب. وقد أُلقي القبض عليه في الرابع عشر من ديسمبر 2024 بعد أن أيدت محكمة التمييز التركية حكم إدانته.
ظروف احتجاز غير إنسانية
العائلة أكدت أن ظروف اعتقاله غير مناسبة إطلاقاً لحالته الصحية. فقد أوضحت ابنته أنه غير قادر على العناية بنفسه، حتى في أبسط الأمور مثل الاستحمام أو تغيير ملابسه، وأنه كان في المنزل يحتاج لمساعدة دائمة لاستخدام الحمام بسبب مشكلات التوازن. وأضافت: “إذا سقط في زنزانته فلن يجد من يساعده، نحن نخشى أن نفقده في أي لحظة“.
انتقادات حقوقية وأرقام صادمة
تركيا تواجه انتقادات متكررة بسبب تجاهلها لاحتياجات السجناء المرضى، إذ تشير تقارير حقوقية إلى وفاة عشرات المعتقلين سنوياً داخل السجون أو بعد الإفراج عنهم في المراحل النهائية من المرض. ووفقاً لبيانات وزارة العدل التركية التي قُدمت رداً على استجواب برلماني، سُجلت 709 حالات وفاة داخل السجون خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2024، ما يسلط الضوء على حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
سياق سياسي أوسع: استهداف حركة كولن
الرئيس رجب طيب أردوغان يواصل منذ عام 2013 استهداف حركة كولن، بعد تحقيقات فساد طالت دائرته المقربة، متهماً الحركة بمحاولة الانقلاب المثيرة للجدل عام 2016. الحركة تنفي أي صلة بمحاولة الانقلاب أو بالإرهاب، لكن آلافاً من أتباعها وُجهت لهم تهم جنائية وزُج بهم في السجون، بينهم أكاديميون وصحفيون وموظفون حكوميون، فيما توصف المحاكمات بأنها مسيّسة.

