مع تسلمها رئاسة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، وضعت السياسية النمساوية بيترا باير مسألة عدم التزام تركيا بتنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في صدارة أولوياتها، في مؤشر واضح إلى أن هذا الملف لم يعد مجرد إشكال قانوني تقني، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تمس موقع أنقرة داخل منظومة حقوق الإنسان الأوروبية.
باير، التي تُعد خامس امرأة تتولى رئاسة الجمعية منذ تأسيسها، أكدت من ستراسبورغ أن القضايا المرتبطة بتركيا ستُتابَع عن كثب، مشيرة إلى خلل واضح في عمل المحاكم العليا التركية، يتمثل في غياب التناغم المؤسسي بينها، ما يؤدي عمليًا إلى تعطيل تنفيذ الأحكام الدولية الملزمة.
من كافالا إلى آلاف الملفات
تستند باير في موقفها إلى تجربة مباشرة، إذ سبق أن تولت مهمة مقررة الجمعية البرلمانية المكلفة بمتابعة تنفيذ حكم المحكمة الأوروبية في قضية رجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا. وتستحضر في هذا السياق التحذير الذي أطلقته الجمعية في خريف 2023، حين لوّحت باتخاذ إجراءات إذا لم يُفرج عن كافالا مطلع 2024، وهي إجراءات لم تُفعَّل لاحقًا.
هذا التراجع، وفق باير، يعكس حجم الإشكال الحقيقي، ليس في قضية واحدة بعينها، بل في تراكم آلاف الأحكام غير المنفذة، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات الرقابة داخل مجلس أوروبا نفسه.
قضية كافالا، المعتقل منذ 2017 والمحكوم بالسجن المؤبد رغم قرار المحكمة الأوروبية بالإفراج عنه، باتت رمزًا صارخًا لامتناع أنقرة عن الالتزام بأحكام المحكمة، رغم إطلاق إجراءات المخالفة بحقها منذ 2022 دون نتائج ملموسة حتى الآن.
انسداد قضائي وتشابك مؤسسي
تربط باير هذا الوضع بما وصفته بـ«الانسداد غير المبرر» داخل النظام القضائي التركي، معتبرة أن المشكلة لا تكمن فقط في الإرادة السياسية، بل في عجز المحاكم العليا عن العمل ضمن إطار قانوني منسجم يضمن احترام الالتزامات الدولية.
وترى أن حل الأزمة يمرّ بالدرجة الأولى عبر البرلمان التركي، الذي يملك الصلاحية الدستورية لمعالجة هذا الخلل، في ظل اعتراف واسع بوجود المشكلة مقابل غياب خطوات عملية لمعالجتها.
تباينات داخل الوفد التركي
في هذا السياق، أعربت باير عن أسفها لعدم تمكن رئيس الوفد التركي إلى الجمعية البرلمانية، طغرل توركش، من حضور الجلسة لأسباب صحية، مشيرة إلى رغبتها في مناقشة الملفات العالقة معه مباشرة.
توركش، وهو نائب قومي التوجه من حزب العدالة والتنمية، يُعد من الأصوات النادرة داخل المعسكر الحاكم التي انتقدت استمرار سجن كافالا، ودعا القضاء إلى الالتزام بالقانون. وكان قد زار في صيف 2024 كافالا وعددًا من المحكومين في قضية متنزه غيزي، الذين أدينوا بمحاولة إسقاط الحكومة على خلفية احتجاجات 2013.
تقارير حقوقية: الامتناع أصبح نمطًا
بعيدًا عن التصريحات السياسية، تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن عدم تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية في تركيا لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى نمط منهجي. وتُظهر المعطيات أن تركيا تتصدر الدول الأعضاء من حيث عدد القضايا العالقة، مع عشرات الآلاف من الطلبات المنظورة أمام المحكمة.
وتلفت هذه التقارير إلى أن مئات الأحكام الجوهرية لا تزال دون تنفيذ، ما يجعل أنقرة في موقع الدولة الأقل التزامًا داخل مجلس أوروبا، وهو وضع تفاقم خلال عام 2025، خصوصًا بعد الانتخابات المحلية في آذار 2024.
سياق سياسي أكثر تشددًا
وفق هذه القراءة، ترافقت مرحلة ما بعد الانتخابات المحلية مع تصعيد في الملاحقات السياسية، شمل اعتقال رؤساء بلديات معارضين، ومواجهات أمنية مع متظاهرين، وفتح ملفات قضائية بحق صحفيين ومحامين ونشطاء، في مناخ يزداد فيه الضغط على فضاء الحريات العامة.
هذا السياق يعزز المخاوف الأوروبية من أن عدم تنفيذ أحكام المحكمة لم يعد مجرد مسألة سيادة قانون، بل مؤشر على تراجع أعمق في التزام تركيا بالمنظومة الحقوقية التي انضمت إليها منذ عقود.
مأزق أوروبي مفتوح
في المقابل، يواجه مجلس أوروبا نفسه انتقادات متزايدة لعجزه عن فرض تنفيذ أحكامه، خشية الإضرار بعلاقاته مع أنقرة، وهو ما يضع مصداقية النظام الأوروبي لحقوق الإنسان على المحك، في لحظة دولية تشهد تراجعًا عامًا في الالتزام بالقواعد القانونية العابرة للحدود.
خلاصة
إعادة فتح ملف عدم تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية مع تولي رئاسة جديدة للجمعية البرلمانية يعكس وصول الأزمة التركية–الأوروبية إلى مرحلة حرجة، حيث لم يعد الخلاف قانونيًا فحسب، بل اختبارًا لمستقبل منظومة حقوق الإنسان في أوروبا نفسها.

