في مشهد نوعي يُعبِّر عن تحوُّل في آليات الوساطة الإقليمية، جاءت مراسم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بمشاركة الولايات المتحدة وتركيا وقطر ومصر لتضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قلب التجربة الجديدة كضامن رسمي للتسوية إلى جانب واشنطن وبقية الضامنين.
هذا الترتيب يمنح تركيا دورًا ملموسًا في الرقابة والتنفيذ، بينما تبقى السيطرة السياسية المركزية بيد الولايات المتحدة — وهو توزيع أدوار يعكس رؤى عملية في كيفية إدارة الملف الفلسطيني.
ثناء ترامب: أكثر من مجاملة
لم يكن الثناء الحار الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأردوغان مجرد لفتة بروتوكولية، بل يشير إلى تحوّل دبلوماسي دقيق. فالبيت الأبيض يرى في تركيا جسرًا للوصول إلى قيادة حماس السياسية، بقدرتها على التأثير في التزامها بالشروط مقابل مكاسب سياسية واقتصادية في مراحل البناء. وتلك الكلمة التشجيعية قد تُمثّل إشارة ضمنية إلى استعداد الولايات المتحدة لمنح تركيا هامشًا أوسع في الملف الفلسطيني مقابل تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض.
دوافع أنقرة: بين الأجندة الداخلية والتأثير الدولي
استرداد المصداقية داخليًا
حسب تحليل فاتح يورتسيفير، وهو ضابط بحري سابق في القوات المسلحة التركية، ويستخدم اسما مستعارا لأسباب أمنية، فالهدف الرئيس لأردوغان في هذا السياق هو تحويل الظهور إلى مصداقية حقيقية. فبعد الأداء الضعيف في الانتخابات المحلية في 2024، تزداد حاجة حزبه إلى إثبات القدرة على الإنجاز السياسي. إذا استطاع أن يظهر كشريك قادر على تحقيق النتائج على الأرض في غزة، يمكنه ترميم مكانته أمام قواعده الشعبية التي ما تزال القضية الفلسطينية تؤثر في مشاعرها بقوة.
إعادة التموضع في النظام الإقليمي والدولي
من منظور دولي، يتيح الدور الضامن فرصة لتركيا لاستعادة ثقة العواصم الغربية التي شهدت توترًا مع أنقرة بسبب مواقف حقوق الإنسان وتراجعات في الديمقراطية. الأداء الإيجابي في إدارة وقف النار قد يساعد في تخفيف الضغوط الغربية، خصوصًا إذا رافقته تعاونات ملموسة. كما أن المشاركة في إعادة الإعمار تمنح أنقرة فرصة لاستعادة دور مؤثر في ملف عربي-إسرائيلي كانت قد هُشّمت صورته سابقًا، وفقا للرأي الذي قدمه يورتسيفير عبر مقال بموقع “توركيش مينوت” الناطق باللغة الإنجليزية.
استثمار اقتصادي وسياسي
لا يخفى على أنقرة أن أي دور فعال في إعادة إعمار غزة يمنحها عقودًا ضخمة في البنى التحتية والمرافق العامة، وهي مشروعات تحمل رمزية سياسية إلى جانب كونها مربحة اقتصاديًا. وهذه العقود يمكن أن تشكّل جزءًا من المقايضة الضمنية التي تضعها أنقرة أمام واشنطن لانخراط أعمق في الملفات الأمنية والتجارية.
تحييد النفوذ الإيراني وتوسيع النفوذ التركي
من الناحية الاستراتيجية، يظهر أردوغان أن بإمكانه أن يحيّد دور إيران في غزة إلى حدّ ما، عبر التعامل مع القيادة السياسية لحماس مباشرة بدلًا من المرور عبر أذرع طهران. لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر: فلو أرادت إيران أن تعرقل التسوية عبر أجنحتها العسكرية، فإن قدرة أنقرة على الضبط قد لا تكون كافية.
إعادة تأطير العلاقة مع حماس
حافظت تركيا على قنوات مفتوحة مع الجهات السياسية لحماس، وهو ما أثار انتقادات في إسرائيل وباريس وغيرها. لكن الآن، بوجود دور رسمي كضامن، تسعى أنقرة لإعادة تأطير تلك العلاقات ليس كاحتضان مرفوض، بل كأداة ممكنة لتحقيق استقرار. بحسب يورتسيفير، هذا التحول الرمزي قد يُستخدم لتقديم تلك العلاقات كجزء من حل بدلاً من أن تكون جزءًا من المشكلة.
كيف بنت أنقرة نفوذها؟
منذ سنوات، حرصت تركيا على بناء علاقات سياسية مع قيادات حماس؛ وهو ما لم تكن تفعلها معظم رأسماليات الغرب. هذا الاتصال المميز منحها مصدرًا للتدخل في اللحظة الحاسمة. في مفاوضات القاهرة الأخيرة، شارك رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين في صياغة آليات الالتزام والمراقبة، ما أظهر أن الدور التركي ليس شكليًا بل تقنيًا في تنفيذ الاتفاق. أما الثناء العلني من ترامب، فأسهم في إضفاء غطاء سياسي على دور أنقرة.
لكن يخلق هذا البناء نقطة ضعف: لا ضمانة بأن كلّ جناحٍ في حماس (خصوصًا الأجنحة المسلحة المرتبطة بإيران) سيخضع للتوجيهات السياسية — وهو التحدّي الأبرز الذي يواجه صفقة الضمان.
ما يبدو نجاحًا من منظور أردوغان
في منظور فاتح يورتسيفير، النجاح هو ظهور مؤشرات ملموسة: خفض ملحوظ في عدد خروقات وقف النار، وتنفيذ تبادل أسرى في مواعيدها، ووصول إنساني مستدام، وبداية مشاريع إعادة إعمار تُنسب إلى الضامنين ككل، لا إلى جهة واحدة فقط. هذا النجاح يُستخدم لفتح قنوات تفاوضية أوسع مع الولايات المتحدة (في مجالات الدفاع والتجارة والتمويل) ويضع أنقرة في موقع تصميم أي خطة حكم مؤقت لقطاع غزة.
المعوقات المحتملة التي قد تهدّد الصفقة
أولًا، أن القدرة التركية على التأثير في الجناح العسكري لحماس يمكن أن تكون محدودة، خصوصًا إذا قرّرت إيران استغلال تلك الثغرة لتعطيل الاتفاقات.
ثانيًا، انحياز تركيا لصالح أحد الأطراف قد يضعف مصداقيتها كضامن محايد، الأمر الذي قد يدفع إسرائيل أو شركاء الغربيين إلى التشكيك بها.
ثالثًا، الموازنة الدقيقة بين المظهر الخطابي المحلي والدور العملي الدولي تشكّل مخاطرة، فإذا استخدمت أنقرة لغة متشددة أمام قواعدها، قد تُفلت السيطرة على الرسالة التي تعرضها للغرب.
رابعًا، دون مؤشرات شفافة ورافعة تحققها الأطراف الأخرى، قد ينهار النموذج تحت ضغط الاتهامات المتبادلة.
المستجدات الأبرز في الساحة الراهنة
يذكر أنه وردت أنباء أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مُنع من حضور قمة شرم الشيخ، بدعم تركي، ما يبرهن على الوزن الذي باتت أنقرة تمارسه في تحالف الضامنين. كما أعلنت تركيا أنها ستشارك مباشرة في مراقبة تنفيذ وقف النار، مع تأكيد أردوغان على ضرورة الشراكة الدولية في إعادة إعمار غزة، وطلب دعم من الخليج والولايات المتحدة وأوروبا.
وفي في تصريح إلى الصحافة، أشاد ترامب بدور تركيا في التوصل إلى الاتفاق، واصفًا أردوغان بـ “الرائع” ومؤكدًا أن له تأثيرًا كبيرًا في المفاوضات وفق ما نقلته وكالة الأناضول الرسمية التركية.
في حين انتقد دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية التركي، الحليف السياسي لأردوغان، الاحتفاء المبكر بالتسوية، محذرًا من الاكتفاء بتبادل أسرى دون معالجة أعمق لمعاناة غزة.
وفي السياق، أعادت حماس فرض السيطرة على بعض المناطق في غزة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، في خطوة اعتبرها مراقبون أنها قد تُشكل تحديًا أمام التزامها الكامل باتفاق وقف النار.

