شهد الأسبوع الأخير تطورًا نوعيًا في الملف السوري مع تنفيذ إسرائيل غارات جوية استهدفت وزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الجمهوري في العاصمة دمشق، وهو ما اعتبره محللون نقطة تحوّل مهمة في مشهد الصراع الإقليمي. هذه التحركات، بحسب السفير التركي السابق عمر مراد، لا تنفصل عن الحسابات الإسرائيلية العميقة حيال سوريا، ولا عن سياقات إعادة تشكيل النظام الإقليمي في ظل انخراط تركي وأمريكي وخليجي في صيغ التسوية.
نتنياهو يرد على صفعة ترامب
وفق تحليل عمر مراد، فإن الغارات الإسرائيلية على دمشق ليست فقط ردًا تكتيكيًا على تموضع عسكري سوري، بل تأتي في سياق محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعادة توازنه السياسي بعد ما وصفه بـ”الصفعة الدبلوماسية” التي تلقاها من إدارة ترامب. إذ إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخلافًا لحسابات نتنياهو، أقدم على الاعتراف بـ”أحمد الشرع”، رئيس حكومة انتقالية في سوريا، خلال لقائه به في زيارة إلى السعودية، فاتحًا بذلك الطريق أمام منحه شرعية دبلوماسية ضمن صفقة إقليمية برعاية خليجية.
انزعاج إسرائيلي من صعود الشرع المدعوم خليجيًا
إسرائيل كانت تأمل أن يبقى “أحمد الشرع”، ذو الخلفية الجهادية والماضي المرتبط بجماعات متطرفة كجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، في خانة القوى غير الشرعية، لتبقى العقوبات الغربية قائمة على سوريا، ولتبقى دمشق ضعيفة ومجزأة. لكن دعم الخليج للشرع، ونجاحه في تخفيف العقوبات الأوروبية والأمريكية، وتحقيق قدر من الاستقرار، شكّل تهديدًا لاستراتيجية تل أبيب في سوريا.
صفقات خلف الكواليس والاشتباك في السويداء
يوضح مراد أن الجنوب السوري، وتحديدًا محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، شهد تحولات ميدانية مهمة، إذ عاد النظام المركزي في دمشق لبسط نفوذه عليها بموافقة إسرائيلية ضمنية.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تم التواصل بين دمشق وتل أبيب عبر قناة في العاصمة الأذربيجانية باكو، تفضي إلى عودة القوات الحكومية إلى السويداء بضوء أخضر إسرائيلي.
ثلاث روايات تفسّر ما جرى في السويداء
- الرواية الأولى: الفخ الإسرائيلي
يعتقد البعض أن إسرائيل أعطت موافقة تكتيكية لدخول قوات دمشق إلى السويداء، ثم حرّضت قادة دروز موالين لها كـ”حكمة الهجري”، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، على افتعال مواجهات لإعطاء تل أبيب ذريعة للتدخل.
- الرواية الثانية: استفزاز مقصود من الشرع
- وفق هذا التصور، استغل الشرع الإذن الإسرائيلي لدخول السويداء، وحرض بدوًا سنّة ضد دروزها لتبرير الحسم الأمني، في إطار توسيع السيطرة المركزية.
- الرواية الثالثة: فوضى داخلية في أجهزة الشرع
يشير السفير مراد إلى احتمال أن تكون قوات الشرع، التي تضم مقاتلين سابقين في هيئة تحرير الشام، قد تصرفت بعشوائية، وهاجمت سكانًا دروزًا، ما أدى لتدهور سريع استغلته إسرائيل للتدخل.
ويعلق مراد: «في الشرق الأوسط، لا توجد حقيقة واحدة؛ جميع الروايات قد تحمل جانبًا من الصحة.»
البعد الدرزي وتعقيدات التحالفات
يحذر مراد من التبسيط، موضحًا أن الطائفة الدرزية ليست كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اعتبارها حليفًا دائمًا لإسرائيل، رغم وجود فصائل وشخصيات درزية تربطها علاقات متينة بتل أبيب.
فأصل الطائفة يعود إلى الإسلام الشيعي الفاطمي، وأغلبهم يعيشون في سوريا ولبنان، ويتحدثون العربية، وانخرطوا في الحركات القومية ضد الاستعمار الفرنسي، ما يجعلهم أقرب للهُوية العربية الجامعة.
رسالة نتنياهو للعرب
بتنفيذه ضربات ضد مؤسسات الدولة السورية، أرسل نتنياهو، بحسب مراد، رسالة واضحة مفادها: “لن أسمح بتكوين حكومة مركزية في دمشق تُهدد رؤيتنا الإقليمية.”
لكن الهجوم أثار ردود فعل غاضبة من الولايات المتحدة وأوروبا، وحتى من حلفاء تل أبيب في الخليج، مما وضع نتنياهو في موقع دفاعي.
هل انتصر الشرع سياسيًا؟
تشير التقارير إلى وجود هدنة جديدة بوساطة عربية وأمريكية، شاركت تركيا في دعمها، سمحت بإعادة انتشار قوات دمشق في الجنوب دون اعتراض إسرائيلي علني، وهو ما اعتبره مراد تراجعًا تكتيكيًا لنتنياهو.
الهدنة تثبت هشاشة إسرائيلية
بحسب مراد، فإن عدم تنفيذ إسرائيل لضربات إضافية بعد إعادة انتشار القوات الحكومية يعكس تغيرًا في الحسابات الإسرائيلية، ونجاح الشرع – ولو جزئيًا – في كسب جولة سياسية، رغم الضربات الأخيرة.
ممر داود – حلم استراتيجي أم وهم؟
ماذا حدث في لحظة الاشتباك؟
خلال الأزمة في السويداء، توجه “حكمة الهجري” – الزعيم الدرزي المقرب من إسرائيل – بنداء إلى “قوات سوريا الديمقراطية” (SDF) التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (YPG)، يطلب منهم فتح ممر لنقل المدنيين أو الدعم العسكري. ما لبث أن ردّ القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، “مظلوم عبدي”، بإيجابية، ملوّحًا باستعداد قواته للتجاوب. هذا التفاعل السريع أثار مخاوف لدى أنقرة التي رأت في ذلك محاولة لتفعيل ما يُعرف بـ”ممر داود”؛ وهو طريق يربط بين مناطق درزية جنوب سوريا وشرق الفرات، وقد يمتد حتى كردستان العراق.
ممر داود: مشروع مفرط في الطموح؟
يرى عمر مراد أن هذا “الممر” هو جزء من خيال استراتيجي يميني متطرف داخل حكومة نتنياهو، يهدف إلى ربط الدروز بالأكراد ثم تمرير خطوط طاقة نحو إسرائيل. لكن يصفه مراد بأنه “مشروع هش، لا يملك مقومات التنفيذ الواقعي، ولا يحظى بتأييد أمريكي أو خليجي في الأجل القريب”.
تركيا وسوء إدارة الملف السوري
يبدي عمر موقفًا نقديًا حادًا من السياسة التركية في سوريا، مؤكدًا أن أنقرة فشلت على مدار 15 عامًا في صياغة استراتيجية مستقرة، بدءًا من دعمها لفصائل سنّية معتدلة، ثم لمتطرفين، وصولًا إلى التخلي عن هدف إسقاط الأسد لصالح معاداة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، دون خطة بديلة حقيقية.
ويقول: “لو كنت أدير السياسة الخارجية التركية، لما وصلت هيئة تحرير الشام إلى دمشق، ولا تأسست دويلة كردية شرق الفرات. الخطأ لم يكن في الأهداف بل في غياب الوسائل الواقعية والمتسقة.”
الجيش الوطني السوري.. اسم بلا مضمون
أنشأت أنقرة ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري”، لكن سرعان ما اختفى من المشهد بعد تآكل مشروعه، في حين ظهرت هيئة تحرير الشام كقوة حقيقية تسيطر على مناطق استراتيجية، بدعم ضمني من شبكات إقليمية وغربية، وفقًا لمراد.
الكرد بين أنقرة وتل أبيب
فيما روّجت بعض الأوساط الموالية لأنقرة لمصطلح “الحل الكردي الثاني” بوصفه تحالفًا جديدًا بين أردوغان والأكراد ضد إسرائيل، تكشف الوقائع الميدانية عكس ذلك. فالكرد لم يروا في أنقرة شريكًا موثوقًا، بل ما زالوا يتحسسون من أية عملية “إخضاع سياسي”، ويرون في إسرائيل ضامنًا محتملاً ضد أي نكوص تركي.
مظلوم عبدي لا يثق بأردوغان
يرى مراد أن مظلوم عبدي يعتبر تراجع أردوغان عن سياسة الحسم العسكري مجرد نتيجة لضغوط أمريكية وأوروبية، لا تحوّلًا استراتيجيًا. لذلك، يحافظ على خطوط اتصال مفتوحة مع تل أبيب تحسّبًا لأي انتكاسة مستقبلية.
الشرع بين النجاح الظاهري والضعف البنيوي
يشير مراد إلى أن الشرع نجح حتى الآن في كسب دعم أمريكي وخليجي، وخفف العقوبات الغربية، وحقق مكاسب سياسية كبيرة على حساب الأسد، لكنّه لا يزال يعاني من ضعف سيطرته على الهياكل المسلحة التي تعمل باسمه.
فضائح انضباطية تهدد صورته
الانتهاكات المرتكبة في السويداء – سواء على يد قواته أو بالتحريض من شركائه – تضعف صورته دوليًا، وتمنح خصومه ذريعة للتشكيك في أهليته، حتى مع استمرار شعبيته في أوساط السنّة العرب داخل سوريا.
خسارة نتنياهو السياسية
رغم الغارات، يعتقد مراد أن نتنياهو خرج بخسارة نسبية، إذ لم تؤد الضربات إلى كبح صعود الشرع، بل عززت حجته داخليًا، وأربكت التنسيق الإسرائيلي الخليجي، وأثارت انتقادات حتى من داخل الكونغرس الأمريكي.
إسرائيل تفقد “مركزية الخصم“
ولعل أخطر ما كشفه التطور الأخير، بحسب عمر مراد، أن إسرائيل لم تعد “العدو المركزي” لدى كل الفاعلين؛ بل هناك من داخل الطيف الكردي والدّرزي من يعتبرها “شريك اضطراري” أو “حليف بديل”، وهو ما يعكس فشلًا في استراتيجية الردع القائمة على التفوق المطلق.
تركيا بين الواقعية والتأزم
يؤكد عمر مراد أنه على تركيا أن تتعامل مع وجود إسرائيل كجزء من معادلة الشرق الأوسط دون أن تخضع لنزوات حكومة يمينية متطرفة في تل أبيب. ويقول: “من يظن أنه قادر على تحدي إسرائيل عسكريًا منفردًا واهم. ومن يتجاهل ضرر حكومتها الحالية على السلم الإقليمي لا يقلّ وهمًا عنه.”

