قدم المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان نور الله ألبيراق، الذي يعيش في المنفى في بلجيكا، تحليلا لتوقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو والخلفية التاريخية لتآكل الديمقراطية في تركيا منذ عام 2013 حيث طفت إلى السطح فضائح الفساد والرشوة، وذلك في مقال نشر في موقع TR724 الإخباري.
وفيما يلي ملخص هذا المقال:
مع ساعات الفجر الأولى من أمس الأربعاء، استيقظ متابعو وسائل التواصل الاجتماعي على نبأ صادم: اعتقال 106 أشخاص، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو ورئيسا منطقتين في المدينة، بتهم تتعلق بالإرهاب والجريمة المنظمة. وأفادت زوجته، ديلَك إمام أوغلو، بأن الشرطة وصلت مباشرة بعد السحور، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث في 22 يوليو 2014، عندما جرى اعتقال ضباط الشرطة الذين نفذوا عمليات مكافحة الفساد ضد رجال أعمال مقربين من الحكومة، ليشكل ذلك بداية لسلسلة من الأحداث المؤلمة التي أعقبتها.
تكرار المشهد: من 2014 إلى اليوم
استقلال القضاء في تركيا كان محل جدل منذ سنوات، لذا فإن يظن أن ما حدث اليوم سابقة غير مسبوقة، فهو لا يدرك الحقيقة. إن ما نشهده اليوم ليس سوى امتداد لسلسلة من الانتهاكات القانونية المستمرة منذ عقد كامل. فما جرى بحق إمام أوغلو ليس إلا نسخة جديدة مما سمي بـ”حملة السحور” التي استهدفت ضباط الشرطة عام 2014، حيث يعيد التاريخ نفسه بصورة أكثر مأساوية.
في عام 2013، كُشف عن قضايا فساد كبرى في 17 و25 ديسمبر، تورط فيها مسؤولون حكوميون ورجال أعمال مقربون من السلطة. ورغم أن الاعتقالات حينها نُفذت بناءً على أوامر قضائية، سارعت حكومة حزب العدالة والتنمية، بقيادة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، إلى وصف تلك العمليات بأنها “محاولة انقلاب” ضدها. وسرعان ما شرعت في تعديلات قانونية استهدفت القضاء، وأسفرت عن إنشاء نظام “قضاء محاكم الصلح والجزاء” الذي لا يزال يثير الجدل حتى اليوم. وكان أول قرار تتخذه هذه المحاكم الخاصة في إسطنبول هو اعتقال ضباط الشرطة الذين أجروا تحقيقات الفساد، وتم ذلك في حملة سحور يوم 22 يوليو 2014، تمامًا كما جرى اليوم مع إمام أوغلو.
القضاء كسلاح سياسي
لم يكن الهدف من حملة 22 يوليو 2014 مجرد تصفية حسابات مع ضباط الشرطة، بل كانت خطوة استراتيجية من الحكومة لقلب الطاولة على فضائح الفساد، وتأمين شرعيتها السياسية عبر قمع الأصوات المعارضة. وللأسف، فإن الصمت أو الدعم الذي أبداه البعض تجاه تلك الاعتقالات لم يكن سوى مقدمة لتوسع دائرة الظلم، حيث بات القضاء منذ ذلك الوقت أداة لقمع أي معارضة سياسية.
ما يحدث اليوم لا يختلف عن الماضي. فالنظام يسعى مرة أخرى لإقصاء شخصية سياسية يراها تهديدًا لبقائه، مستخدمًا أدوات “التطهير” و”الانتقام” و”الإقصاء” ضد المعارضين. وإذا لم يتم الوقوف ضد هذه الانتهاكات اليوم، فإن المجتمع بأسره سيدفع الثمن غدًا.
نتائج غياب استقلال القضاء
منذ 22 يوليو 2014، تحوّل القضاء في تركيا من مؤسسة مستقلة إلى أداة بيد السلطة الحاكمة، مما أدى إلى دورة مستمرة من الفوضى القانونية. فقد أصبحت الاعتقالات والمحاكمات وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، ولم يعد القانون أداة لتحقيق العدالة، بل أصبح سيفًا مسلطًا على رقاب المعارضين، وانتهكت الحقوق والحريات بشكل ممنهج، وانتشر الخوف في المجتمع.
لكن المعضلة الكبرى لا تقتصر فقط على محاكمة إمام أوغلو أو غيره من الشخصيات البارزة، بل تكمن في إنهاء منظومة الفوضى القانونية بأكملها. وما لم تتخذ خطوات جادة لإعادة استقلال القضاء، فإن اعتقالات اليوم ستتحول إلى إدانات غدًا، وستستمر الاعتقالات التعسفية لتطال المزيد من الأبرياء.
النضال من أجل العدالة ضرورة لا خيار
لقد برهنت التجربة خلال السنوات الماضية أن الصمت على الظلم يشجع على استمراره. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر النضال ضد هذه الاعتقالات على الاحتجاج ضد استهداف فرد معين، بل يجب أن يكون معركة شاملة من أجل استعادة سيادة القانون واستقلال القضاء.
في هذا السياق، تتحمل المعارضة التركية، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، مسؤولية كبرى، حيث ظل صامتًا طويلًا إزاء ما تعرضت له شرائح أخرى من المجتمع. وإذا لم يدرك الجميع اليوم أن معركة العدالة يجب أن تكون مبدئية وشاملة ضد كافة أشكال الظلم، فإن القمع سيزداد، ولن يكون أحد في مأمن من دائرة الاستهداف.
لذلك، فإن رفع الصوت ضد الظلم ليس مجرد دفاع عن ضحاياه المباشرين، بل هو واجب لحماية المجتمع بأسره. الصمت ليس خيارًا، بل هو تواطؤ يساهم في تعميق الأزمة وتطبيع الظلم. وإذا لم يوضع حد لهذه الممارسات، فإن هذه العمليات القمعية ستستمر، وسينهار ما تبقى من مفهوم سيادة القانون، وسيفقد العدل معناه الحقيقي.

