تشهد مدينة حلب تصعيداً عسكرياً بالغ الخطورة بعد أن أعلنت السلطات في دمشق أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ذات الغالبية الكردية، مناطق عسكرية مغلقة وأهدافاً مشروعة للعمليات القتالية، في خطوة نقلت المواجهة إلى مستوى أكثر حدّة. هذه الأحياء، إلى جانب مناطق مجاورة، تخضع منذ أيام لحصار مشدد وقصف مدفعي مكثف، ما حوّل المشهد الحضري إلى ساحة اشتباك مفتوحة داخل واحدة من أكثر المدن السورية كثافة سكانية.
كلفة إنسانية متصاعدة وتعطّل المدينة
الاشتباكات الدائرة أوقعت خسائر في صفوف قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري على حد سواء، لكنها تركت أثراً أعمق في صفوف المدنيين. مئات المنازل تضررت، وأُصيب أطفال بجروح متفاوتة، واضطرت آلاف العائلات إلى النزوح القسري بحثاً عن الأمان. ومع اتساع رقعة القصف، شُلّت الحياة الإدارية والخدمية في المدينة، حيث توقفت مؤسسات رسمية عن العمل، في مؤشر على أن المواجهة تجاوزت بعدها العسكري إلى شلل حضري شامل.
أكثر من مواجهة أمنية: معنى الضغط على الأحياء الكردية
لا تُقرأ العمليات الجارية، وفق التحليلات المتداولة، بوصفها حملة أمنية ضد خصم عسكري فحسب، بل باعتبارها رسالة سياسية مباشرة. الهدف الظاهر يتجاوز تحييد مواقع عسكرية ليصل إلى إحكام السيطرة الكاملة على حلب، واستخدام الضغط الميداني كأداة لدفع الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا إلى تقديم تنازلات على طاولة التفاوض. من هذا المنظور، تبدو المدفعية أداة تفاوض موازية للسياسة.
بعد رمزي وذاكرة قمع متجددة
القوى السياسية والمؤسسات الكردية تصف ما يجري بأنه عمليات ذات طابع «إقصائي»، تستحضر في الذاكرة الجماعية فصولاً سابقة من استهداف الأكراد في سوريا. بالنسبة لهذه الأطراف، لا يُنظر إلى حلب كمدينة فقط، بل كرمز ثقيل الدلالة، حيث يُعاد توظيف القوة لإعادة إنتاج معادلات قديمة بلباس جديد، ما يمنح الملف الحلبي بعداً يتجاوز الجغرافيا إلى الرمزية السياسية والتاريخية.
حلب في قلب مساومات القوى الكبرى
التصعيد لا ينفصل عن لوحة إقليمية أوسع. فبحسب قراءات سياسية متداولة، تشكّل الضغوط حول حلب جزءاً من تفاوض غير معلن بين محور دمشق–موسكو–طهران من جهة، وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكل طرف حساباته الخاصة في الساحة الكردية، حيث يسعى الجميع إلى إعادة هندسة النفوذ بما يخدم مصالحه الاستراتيجية في سوريا ما بعد الحرب.
حسابات متقاطعة: روسيا وإيران وتركيا
من منظور موسكو وطهران، فإن تقليص حضور قوات سوريا الديمقراطية في حلب يحمل رسائل مزدوجة: إبداء مرونة أمنية تجاه تركيا، وفي الوقت ذاته تضييق هامش الحركة الأميركي في شمال سوريا. أما أنقرة، فتتعامل مع هذا الضغط كفرصة لإضعاف الوجود الحضري لوحدات حماية الشعب والقوى المرتبطة بها، بما ينسجم مع خطابها الأمني المتعلق بالحدود والعمق الاستراتيجي.
تقليص الدور الكردي على طاولة سوريا المقبلة
استهداف الأحياء الكردية لا يُفهم بمعزل عن مسار إعادة رسم النظام السياسي السوري. القراءة السائدة تشير إلى محاولة فرض شروط قاسية على المكوّن الكردي قبل أي تسوية شاملة، ودفعه إلى القبول بتنازلات في ملفات حساسة مثل الإدارة الذاتية، والصلاحيات المحلية، والتحكم الأمني. في هذا السياق، تتحول حلب إلى ورقة ضغط لإعادة ترتيب الأدوار في “سوريا الجديدة”.
تعدد الأجندات واستخدام الورقة الكردية
تتشابك في هذا الملف اعتبارات متناقضة: الدعم الأميركي الميداني لقوات سوريا الديمقراطية، والمخاوف الإيرانية من انعكاسات أي نموذج كردي على الداخل الإيراني، والهواجس التركية المرتبطة بالأمن القومي. هذا التداخل يدفع كل طرف لمحاولة توظيف الورقة الكردية لمصلحته، ما يضع الأكراد في دائرة ضغط دائمة، بين التحالفات المتغيرة ومخاطر الانفجار.
بين التصعيد المحسوب وشبح الحرب الواسعة
رغم أن ما يجري في حلب يقرع أجراس الإنذار بشأن احتمال انزلاق سوريا مجدداً إلى حرب أهلية واسعة، إلا أن المؤشرات الحالية توحي باتباع استراتيجية تصعيد محدود ومحسوب. الأطراف المتصارعة تبدو حريصة، حتى الآن، على تجنب فتح جبهات كبرى، مكتفية بإرسال رسائل نارية موضعية. غير أن استمرار القتال داخل أحياء مكتظة بالسكان يحمل في طياته مخاطر انفلات سريع قد يتجاوز الحسابات.
حلب كاختبار لمستقبل سوريا
التحذير الأبرز يتمثل في أن سوء تقدير الرسائل المتبادلة عبر حلب قد يحوّل الاشتباكات المحدودة إلى شرارة لصراع أوسع. فالمدينة لا تُختبر فيها فقط موازين القوة العسكرية، بل تُختبر أيضاً ملامح التسوية السياسية المقبلة، وحدود ما يمكن فرضه بالقوة قبل أن ينهار التوازن الهش.
خلاصة
ما يجري في حلب ليس مجرد معركة موضعية، بل حلقة مركزية في صراع الإرادات حول شكل سوريا المقبل ودور الأكراد فيه. وبين الحصار العسكري والمساومات الإقليمية، تبقى المدينة على حافة انفجار قد يتجاوزها إلى المشهد السوري برمته.

