الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواجه تحديًا سياسيًا غير مسبوق، دفعه إلى اتخاذ قرار قد يكون من أخطر الأخطاء السياسية في مسيرته: السعي إلى سجن منافسه الأبرز، أكرم إمام أوغلو. هذا القرار، الذي يبدو مدفوعًا بالخوف من فقدان السلطة، أطلق موجة من التغيرات العميقة داخل المشهد السياسي التركي، مهددًا بتغيير المعادلة بالكامل.
تحولات في المشهد السياسي الداخلي
القرار أثار ردود فعل واسعة داخل تركيا، حيث كسرت المعارضة، ممثلة في حزب الشعب الجمهوري، حاجز الخوف من النزول إلى الشارع. فبعد أن كانت قياداته تتجنب المواجهة المباشرة خارج القاعات المغلقة، باتت الآن تدعو الجماهير علنًا إلى التظاهر. ومع أن بعض الأصوات ترى في ذلك فخًا قد يُستغل لفرض حالة طوارئ جديدة، إلا أن الواقع يكشف أن تركيا كانت تعيش بالفعل تحت قيود سياسية مشددة. غير أن هذه التحركات أوجدت زخمًا شعبيًا جديدًا، وأعادت الأمل لفئة الشباب، الذين يُقال إنهم منذ احتجاجات “جيزي بارك” فقدوا الثقة في مستقبل البلاد، ولكنهم اليوم يعودون إلى الساحة السياسية بقوة، من خلال موجة اعتراض بدأت في الجامعات وامتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.
توحيد المعارضة وانهيار استراتيجية السلطة
القرار أدى أيضًا إلى تشكيل ما يمكن وصفه بـ”تحالف إمام أوغلو”، حيث لم تقتصر موجة التضامن على أحزاب المعارضة التقليدية ومنظمات المجتمع المدني، بل شملت حتى التيارات المعارضة داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه، التي وجدت في إمام أوغلو شخصية جامعة. حتى منصور ياواش، الذي كان يُنظر إليه كمرشح رئاسي محتمل، تراجع عن طموحاته لصالح هذا التحالف الناشئ.
الأخطر من ذلك، أن سياسة “فرق تسد” التي اعتمدتها الحكومة لضرب صفوف المعارضة تلقت ضربة قاسية. فحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي سعى النظام إلى عزله، وجد نفسه مضطرًا إلى التفاعل مع المشهد الجديد ودعم إمام أوغلو في مواجهة “الظلم السياسي” الذي يتعرض له. ونتيجة لذلك، بدأت تتشكل جبهة موحدة أضعفت قدرة السلطة على المناورة، وأثارت مخاوف داخل أروقة حزب العدالة والتنمية، حيث باتت أصوات – وإن لم تكن معلنة – تتساءل: “هل أخطأنا؟ هل نحن نسير نحو الهاوية؟”.
تداعيات اقتصادية ودبلوماسية خطيرة
على الصعيد الاقتصادي، جاءت الأزمة في وقت حساس، حيث تعاني البلاد أصلًا من أزمة مالية حادة. وقد أدى هذا التصعيد إلى مزيد من التدهور، حيث فقد المستثمرون الأجانب ثقتهم بالسوق التركية، وتزايدت مخاوف رؤوس الأموال المحلية، التي بدأت تميل إلى دعم المعارضة بدلًا من الاستمرار في الاصطفاف خلف النظام. أما الطبقات الفقيرة داخل قاعدة حزب العدالة والتنمية، فقد أصبحت معاناتها الاقتصادية تفوق أي ولاء أيديولوجي، مما يهدد بانهيار التماسك الداخلي للحزب.
دوليًا، وجد أردوغان نفسه في موقف لا يُحسد عليه. فبينما كان يسعى إلى إعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، تلقى إشارات واضحة بأن الغرب بات ينظر إليه على أنه نسخة جديدة من فلاديمير بوتين. وزادت هذه الصورة قتامة مع إصدار رؤساء بلديات كبرى حول العالم بيانات تضامن مع إمام أوغلو، ما عزز من مكانة الأخير على المستوى الدولي، وأظهر أن الصراع لم يعد محليًا فحسب، بل تحول إلى قضية ذات بعد عالمي.
التاريخ يعيد نفسه
ما حدث يُعيد إلى الأذهان سيناريو 1998، حينما حُكم على أردوغان نفسه بعدم الأهلية السياسية إثر قضية شهيرة، وهو ما استغله آنذاك ليبني سردية المظلومية التي أوصلته إلى الحكم. اليوم، يكرر الرئيس التركي المشهد، ولكن هذه المرة في دور الطرف الذي يقصي منافسيه، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا. وكما تمكن أردوغان من تجاوز الحظر السياسي آنذاك ليصعد إلى السلطة، فإن إمام أوغلو قد يستفيد من هذا الظرف ليحطم العقبات التي وُضعت أمامه، ويفرض نفسه كقائد قادم لتركيا.
المسار الذي دخلته البلاد ينذر بمرحلة صعبة، قد تكون مليئة بالاضطرابات والتوترات السياسية. لكن في النهاية، يبدو أن الرئيس التركي قد وضع بنفسه الأساس لانقلاب المشهد السياسي عليه، وهو ما قد يدفعه في نهاية المطاف إلى دفع الثمن الأكبر: خسارة السلطة.
المصدر: صفحة الكاتب الصحفي التركي جان دوندار على يوتيوب

