في مشهد جديد يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه الصحافة الاستقصائية في تركيا، طالبت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) السلطات التركية باتخاذ تدابير عاجلة لحماية الصحفي الاستقصائي إسماعيل أري وعائلته، بعد تلقيهم تهديدات بالقتل إثر نشره تقريرًا خطيرًا عن رشوة بملايين الدولارات لتفادي الاعتقال في قضية ترتبط بعالم الجريمة المنظمة.
القصة من البداية: تقرير يفضح القضاء والمافيا
الصحفي إسماعيل أري، العامل في صحيفة بيرغون (BirGün) والمقيم في أنقرة، نشر تحقيقًا اتهم فيه رجل الأعمال غوكهان غوز، المشتبه بغسيل أموال لحساب شبكة جريمة منظمة، بدفع رشوة قدرها 2.5 مليون دولار لمسؤولين قضائيين لتفادي السجن الاحتياطي في محكمة كوتشوك شكمجة بإسطنبول.
ووفقًا للرواية، فإن غوز صرّح، تحت تأثير المخدرات والكحول، لإحدى النساء – التي كانت قد تقدمت بشكوى ضده بتهم تشمل الاعتداء الجنسي والابتزاز والمطاردة وانتهاك الخصوصية – بأنه كان فارًا من العدالة لمدة ستة أشهر وتمكّن من تفادي الاعتقال بفضل رشوة ضخمة. كما قالت الشاكية إن غوز أجبرها على فتح حساب بنكي باسمها لتنفيذ معاملات مالية مشبوهة، وتعرضت لاحقًا لتهديدات من أشخاص ادعوا انتماءهم للشبكة نفسها.
ردود الفعل: تهديدات مباشرة وتحركات قانونية
بعد نشر التقرير، بدأ أري في تلقي رسائل تهديد عبر واتساب ومكالمات هاتفية تتضمن عبارات مرعبة مثل: “نعرف مكانك”، و”ستقابلني في أحلامك”. ولم تقتصر التهديدات عليه فقط، بل طالت أحد أقاربه أيضًا.
أري بادر بتقديم شكوى جنائية يوم الجمعة، وسلم الشرطة الوثائق الداعمة. وفي المقابل، زوّدته الشرطة برقم هاتف للطوارئ صالح لمدة 90 يومًا، بينما لم يتلقَ أي رد حتى مساء الاثنين من وزارة الداخلية رغم تواصله المباشر معهم.
دعوة دولية لحماية عاجلة ومحاسبة المسؤولين
لجنة حماية الصحفيين (CPJ) أعربت عن قلقها البالغ، حيث قال ممثلها في تركيا، أوزغور أوغرت، إن “السلطات يجب أن تتعامل بجدية مع هذه التهديدات وأن تتحرك لحماية الصحفي وعائلته، والتحقيق فيها بجدية لمحاسبة المسؤولين”.
وأضاف: “يجب أن يتمكن الصحفيون في تركيا من أداء مهامهم دون خوف أو تهديد على حياتهم، وعلى الحكومة أن تثبت التزامها بذلك”.
الفساد القضائي: أزمة تتجاوز الحالة الفردية
قضية غوز ليست الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة فضائح متكررة تشير إلى تفشي الفساد داخل المؤسسة القضائية التركية. فقد اعترف خبير طب شرعي في قضية سابقة بدفع رشوة لتفادي السجن، وأشار إلى تورط أكثر من 50 قاضيًا ووكيل نيابة في وقائع مشابهة.
كما شهدت البلاد فضيحة أخلاقية كبيرة تورط فيها قاضٍ نظم حفلات مخدرات مستخدمًا مواد مسروقة من أدلة القضايا، مقابل تسهيل أحكام لصالح متهمين.
تقارير متعددة صادرة عن هيئة GRECO الأوروبية لمكافحة الفساد، وكذلك منظمة الشفافية الدولية، أكدت وجود تدهور خطير في نزاهة القضاء التركي، وغياب الإرادة السياسية للتحقيق أو معاقبة المتورطين.

