رغم التصريحات الرسمية التركية المتكررة عن وقف التبادل التجاري مع إسرائيل، كشفت بيانات التجارة الخارجية عن استمرار حركة تصدير نشطة من تركيا إلى فلسطين، وسط تقديرات بأن هذه الصادرات تصل في الواقع إلى السوق الإسرائيلي عبر الأراضي الفلسطينية التي تخضع بشكل كامل لسيطرة الاحتلال.
ووفقاً لبيانات أعلنتها وزارة التجارة التركية ومجلس المصدرين الأتراك (TİM) لشهر مارس/آذار الماضي، شهدت صادرات تركيا من الصلب إلى فلسطين ارتفاعاً غير مسبوق بلغ نحو 9 آلاف بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، ما يعزز الشكوك حول استمرار التبادل مع إسرائيل ولكن بطرق غير مباشرة.
استمرار التصدير رغم إعلان وقف التجارة
في مايو/أيار 2024، أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية وقف كافة أشكال التبادل التجاري مع إسرائيل، في ظل تصاعد الغضب الشعبي بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية. غير أن البيانات الرسمية، بحسب ما أوردته صحيفة “بيرغون“ التركية، تظهر أن التجارة بين الطرفين لم تتوقف، بل استمرت عبر بوابة فلسطين، التي تخضع حدودها البرية والموانئ الجوية والبحرية بشكل كامل لسلطات الاحتلال الإسرائيلي.
قفزة غير مسبوقة في صادرات الصلب
تشير الأرقام إلى أن قيمة صادرات تركيا من الصلب إلى فلسطين بلغت في مارس/آذار 2024 نحو 13 مليوناً و901 ألف و470 دولاراً، مقارنة بـ153 ألفاً و400 دولار فقط في الشهر نفسه من عام 2023، وهو ما يمثل زيادة سنوية مذهلة بنسبة 8,962.2%. وعلى صعيد الربع الأول من العام (يناير–مارس)، بلغت قيمة صادرات الصلب إلى فلسطين 41 مليوناً و421 ألفاً و420 دولاراً، في مقابل 177 ألفاً و560 دولاراً في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة قدرها 23,228.1%.
يُذكر أن تركيا كانت قد صدّرت إلى فلسطين ما قيمته 1.2 مليون دولار من الصلب خلال عام 2023 كاملاً، و1.8 مليون دولار عام 2022. أما صادرات شهر مارس/آذار وحده هذا العام، فقد فاقت صادرات العام الماضي بأكمله بأكثر من 11 مرة.
السياق الجغرافي والرقابة الإسرائيلية
من المهم التذكير بأن كافة المعابر الحدودية المؤدية إلى الأراضي الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو غزة، تخضع لرقابة أمنية وجمركية إسرائيلية مشددة. وبالتالي، فإن أي صادرات تركية إلى فلسطين لا يمكن أن تدخل من دون إذن وموافقة إسرائيلية، وهو ما يعزز الفرضية القائلة إن هذه الشحنات تصل فعلياً إلى المستهلك الإسرائيلي أو إلى جهات وسيطة داخل إسرائيل.
وتُعد إسرائيل تاريخياً من أبرز مستوردي الصلب التركي؛ ففي عام 2023، كانت إسرائيل أول وجهة لصادرات تركيا من الصلب بقيمة بلغت 717 مليون دولار. لكن في عام 2024، لم تعد إسرائيل مذكورة بالاسم ضمن قوائم الدول المستوردة للصلب التركي، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن صادراتها باتت تُدرج تحت بند “الدول السرية” في بيانات هيئة الإحصاء التركية.
صادرات أخرى تسجّل ارتفاعاً غير مسبوق
لم يقتصر النمو الهائل على قطاع الصلب فحسب، بل شمل أيضاً مواد غذائية وزراعية. ففي الربع الأول من 2024، حلّت الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية ومشتقاتها في المرتبة الأولى ضمن الصادرات التركية إلى فلسطين، تلتها صادرات الصلب.
كما سجلت صادرات السجاد إلى فلسطين بدورها رقماً قياسياً جديداً. فقد ارتفعت من 13 ألفاً و670 دولاراً في مارس/آذار 2023 إلى 2 مليون و180 ألفاً و430 دولاراً في الشهر نفسه من العام الجاري، بزيادة نسبتها 15,848.5%. وعلى مستوى الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، قفزت قيمة صادرات السجاد إلى فلسطين من أرقام شبه رمزية في عام 2023 إلى 5 ملايين و39 ألفاً و670 دولاراً، ما يمثل ارتفاعاً نسبته 36,762%.
تساؤلات مشروعة وانتقادات متزايدة
هذه الزيادات غير المسبوقة تثير تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والشعبية داخل تركيا وخارجها، حول جدية الحكومة التركية في وقف التعاملات التجارية مع إسرائيل، خاصة في ظل استمرار عدوانها الوحشي على غزة والضفة الغربية. كما تثير الأرقام شكوكا بشأن احتمالية استخدام “المسار الفلسطيني” كقناة بديلة للتصدير إلى إسرائيل، في وقت تعلن فيه الحكومة موقفاً معارضاً للهجمات الإسرائيلية.
رغم إعلان أنقرة وقف التبادل التجاري مع تل أبيب، تشير المؤشرات الرقمية الرسمية إلى أن هذا التبادل لم يتوقف فعلياً، بل أعيد توجيهه عبر الأراضي الفلسطينية. وبما أن هذه الأراضي تخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية من حيث المعابر والجمارك، فإن التفسير الأكثر منطقية هو أن هذه الصادرات تستمر في خدمة السوق الإسرائيلي أو تمر عبره، ما يعيد الجدل بشأن الاتساق بين الموقف السياسي المعلن والسياسات الاقتصادية الواقعية.

