أصدر مركز ستوكهولم للحرية تقريرًا جديدًا بعنوان “الضحايا المنسيون: أطفال تركيا في قبضة حملة ما بعد الانقلاب”، كاشفًا عن حجم المعاناة الإنسانية التي تكبدها آلاف الأطفال نتيجة سياسات القمع والاضطهاد الاجتماعي عقب محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في تموز/يوليو 2016.
التقرير يسلط الضوء على الأبعاد الإنسانية لهذه الأزمة، حيث لم يقتصر الاستهداف على المتهمين أو المنتمين المزعومين إلى حركة الخدمة، بل امتد ليطال أسرهم وأطفالهم، في صورة من العقاب الجماعي الذي ترك آثارًا مدمرة على المجتمع.
خلفية الأزمة: من الانقلاب إلى الملاحقات الجماعية
أطلقت السلطات التركية بعد المحاولة الانقلابية حملة تطهير واسعة استهدفت أفرادًا ومؤسسات وُصفت بأنها مرتبطة بحركة فتح الله كولن، إضافة إلى معارضين سياسيين آخرين. هذه الحملة لم تقتصر على السجن والفصل من العمل، بل أدت إلى تفكك مئات الآلاف من الأسر وترك الأطفال في رعاية أقارب أو أوصياء غرباء. كثير من هؤلاء حُرموا من الرعاية الصحية الأساسية، واضطر بعضهم إلى الهروب عبر طرق خطرة انتهت بمآسٍ مميتة.
مأساة إنسانية: بين المرض والغرق والحرمان
يشير التقرير إلى قصص مأساوية، من أطفال مصابين بالسرطان حُرموا من رعاية والديهم، إلى عائلات كاملة غرقت أثناء محاولتها الفرار عبر الحدود. هذه الحالات تجسد الكلفة البشرية الباهظة لسياسات الملاحقة، حيث دفع الأطفال الثمن الأكبر لفقدان الاستقرار والصحة والأمل.
غياب الشفافية الرسمية
تؤكد المنظمة أن غياب الإحصاءات الرسمية ورفض السلطات التركية الاعتراف بالنتائج الإنسانية لإجراءاتها يعمّق صعوبة تقييم حجم الكارثة. ورغم ذلك، رصدت التحقيقات المستقلة ووسائل الإعلام أنماطًا متكررة من المآسي، مثل الوفيات، والإصابات المزمنة، والإعاقات الناتجة عن الحرمان من الرعاية. التقرير يوثق هذه الحالات منذ 2016 حتى اليوم، مسلطًا الضوء على انتهاك حقوق أساسية مثل الحق في الصحة، ووحدة الأسرة، والكرامة الإنسانية.
سياسة العقاب العائلي: تكرار لنهج تاريخي
يصف التقرير ممارسات السلطات التركية بأنها تندرج ضمن مفهوم العقاب العائلي (Sippenhaft)، وهو مصطلح ارتبط تاريخيًا بألمانيا النازية التي كانت تعاقب أقارب المتهمين. وقد برزت قسوة هذه السياسة بحق الأطفال من ذوي الإعاقة أو الأمراض المزمنة، إذ قُطع عنهم الدعم الحكومي، والتعليم المتخصص، والرعاية الرسمية، لتُترك العائلات في مواجهة أعباء مالية وصحية مستحيلة.
الآثار النفسية والاجتماعية
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الأضرار المادية والصحية، بل امتدت إلى المجال النفسي والاجتماعي. الأطفال الذين عانوا من فقدان الوالدين أو الوصمة الاجتماعية واجهوا حالات واسعة من الاكتئاب والقلق، وسُجلت حالات انتحار بين القاصرين الذين لم يتمكنوا من التكيّف مع غياب ذويهم وراء القضبان.
البعد العابر للحدود
يوثق التقرير أيضًا عمليات خطف نفذتها أجهزة الاستخبارات التركية بحق معارضين في الخارج، حيث جرى ترحيل عائلات بأكملها قسرًا إلى تركيا. في هذه الحالات، كان الأطفال ضحايا مباشرين للخوف والصدمات النفسية والانفصال القسري عن بيئاتهم الآمنة.
التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع
المفارقة البارزة التي يشير إليها التقرير أن الحكومة التركية أعلنت عام 2025 “عام الأسرة”، في إطار مبادرات تُسوَّق على أنها داعمة للأطفال وحامية للقيم التقليدية. غير أن واقع الأطفال المتأثرين بسياسات ما بعد الانقلاب يكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي وما يعيشه هؤلاء من تهميش ومعاناة. ويخلص التقرير إلى أن الالتزام الحقيقي تجاه الأسرة لا يُقاس بالشعارات، بل بالاعتراف بحقوق جميع الأطفال دون استثناء.
مركز ستوكهولم للحرية ودوره
يُذكر أن مركز ستوكهولم للحرية منظمة غير ربحية تُعنى برصد انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، وتوثيقها عبر تقارير وتحقيقات مستقلة. وهو عضو في “التحالف ضد الإبادة الجماعية”، الذي يسعى للضغط على الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية للتدخل المبكر ومنع تكرار الجرائم واسعة النطاق.

