شهدت أبو ظبي في يوم واحد حضورًا متزامنًا لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ما أعاد فتح باب التكهنات حول قنوات تواصل غير مباشرة بين أنقرة وتل أبيب.
الزيارة التركية، التي اقتصرت على يوم واحد، أُعلن عنها مسبقًا دون الكشف عن جدول أعمال تفصيلي، وجاءت ضمن تحرك دبلوماسي تركي واسع النطاق يشمل الخليج وإيران في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
لقاءات رسمية تركية ورسائل عامة
في أبو ظبي، التقى فيدان برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في قصر الشاطئ، كما عقد اجتماعًا مع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد. البيانات الرسمية ركزت على عناوين عامة شملت تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة تطورات الشرق الأوسط، مع إبراز الوضع الإنساني في غزة ضمن جدول النقاش، دون الخوض في تفاصيل أو مسارات سياسية محددة.
الحضور الإسرائيلي المنخفض الضجيج
في الوقت نفسه، ترددت معلومات عن وجود وزير الخارجية الإسرائيلي في العاصمة الإماراتية في زيارة وُصفت بالمنخفضة الظهور إعلاميًا، وهو نمط بات مألوفًا في التحركات الإسرائيلية داخل الخليج منذ اندلاع الحرب على غزة. لم يصدر إعلان رسمي إسرائيلي فوري يؤكد الزيارة، إلا أن سوابق مماثلة تشير إلى اعتماد تل أبيب سياسة اللقاءات غير المعلنة لتفادي الإحراج السياسي في ظل استمرار العمليات العسكرية في القطاع.
خلفية العلاقات التركية–الإسرائيلية
يأتي هذا التزامن في وقت لا تزال فيه العلاقات بين أنقرة وتل أبيب في أدنى مستوياتها؛ إذ أوقفت تركيا التبادل التجاري مع إسرائيل خلال عام 2024 على خلفية الحرب على غزة، وسحب الطرفين سفيريهما مع الإبقاء على التمثيل الدبلوماسي في مستوى أدنى. ورغم القطيعة السياسية العلنية، لم تُغلق القنوات الدبلوماسية بالكامل، ما يترك المجال مفتوحًا أمام وساطات أو تواصل غير مباشر.
الإمارات كحلقة وصل إقليمية
تُظهر أبو ظبي مرة أخرى موقعها كمنصة إقليمية قادرة على استضافة أطراف متباعدة في آن واحد. فمنذ تطبيع علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، حافظت الإمارات على خطوط تواصل مفتوحة مع قوى متنافسة تشمل تركيا وإيران وإسرائيل، مستفيدة من هامش مناورة سياسي يسمح لها بلعب أدوار خلف الكواليس دون إعلان صريح.
جدل داخلي تركي وتساؤلات سياسية
داخليًا، أثار تزامن الزيارتين اهتمامًا خاصًا في الأوساط السياسية التركية، خصوصًا بعد تصريحات سابقة ربطت التحركات الدبلوماسية الأخيرة بإعادة ترتيب محتملة في التحالفات الإقليمية، تشمل ملفات سوريا وإسرائيل. ويأتي ذلك في ظل خطاب تركي رسمي يؤكد رفض أي نفوذ إسرائيلي على القوى الكردية في سوريا، مع التشديد على أن أنقرة تفضل الحلول السلمية لكنها لا تستبعد خيارات أكثر صرامة إذا تطورت المواجهات الميدانية.
البعد الأميركي والمرحلة التالية لغزة
زاد من حساسية المشهد صدور تصريحات أميركية في اليوم نفسه تدعو إلى إعادة بناء العلاقات بين تركيا وإسرائيل، ضمن تصور أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة. هذا التوجه ترافق مع حديث عن مرحلة جديدة تركز على إدارة فلسطينية تكنوقراطية للقطاع، رغم أن ملامح المراحل السابقة لم تكتمل بعد.
صمت رسمي ومساحة للتأويل
حتى الآن، لم يصدر عن أنقرة أو أبو ظبي أي إشارة إلى لقاء ثلاثي أو ثنائي غير معلن يضم الجانب الإسرائيلي. غير أن تزامن الزيارات، وسوابق الدبلوماسية الهادئة في الخليج، يجعلان من الصعب فصل الصدفة عن الحسابات السياسية في لحظة إقليمية تتكاثر فيها القنوات الخلفية.
خلاصة
تزامن الوجود التركي والإسرائيلي في أبو ظبي يعكس حراكًا دبلوماسيًا كثيفًا في لحظة إقليمية دقيقة، دون دلائل مؤكدة على لقاء مباشر، لكنه يسلط الضوء على دور الإمارات كمساحة تلاقٍ صامتة بين خصوم معلنين. الصمت الرسمي لا يلغي احتمالات التواصل غير المباشر، خاصة مع تصاعد الضغوط الأميركية ومساعي إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بعد غزة.

