عقب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البرلمان، التي شبّه فيها جماعات متغلغلة في الدولة بـ”الأخطبوط”، بدأت القوات الأمنية حملة أمنية استهدفت بشكل مباشر ما يسمى في تركيا “جماعة السليمانيين”، إحدى أكبر الحركات الدينية والتنظيمات التربوية في البلاد.
وشملت الحملة توقيف أربعة أشخاص، من بينهم مسؤول رفيع في الجهاز البيروقراطي، مما يشير إلى تحول هذه الحملة إلى مواجهة أمنية مفتوحة مع واحدة من أكثر الجماعات رسوخًا في تركيا.
“الأخطبوط”… وصف سياسي أم إشارة أمنية؟
في كلمته أمام الكتلة البرلمانية لحزبه هذا الأسبوع، أشار أردوغان إلى وجود “تنظيم مظلم لم يعد محصورًا في إسطنبول، بل أصبح له أذرع ممتدة في أماكن مختلفة، كأخطبوط“.
هذا التوصيف، الذي حمل طابعًا أمنيًا أكثر منه سياسيًا، فُسّر على نطاق واسع بأنه تمهيد لاستهداف كيانات دينية وشبكات داخل مؤسسات الدولة.
بيروقراطي رفيع بين المعتقلين
بحسب صحيفة أيدينليك، الموالية لزعيم حزب الوطن دوغو برينجك، الذي يعتبر حليف أردوغان الأصغر من خارج الحكومة، فقد تم توقيف أربعة أشخاص في العاصمة أنقرة، أحدهم موظف رفيع في السلطة القضائية، على خلفية علاقتهم بالجماعة المذكورة.ويُعد هذا أول تطور ميداني رسمي بعد تصريحات أردوغان، ويبدو أنه تمهيد لحملة أوسع قد تشمل قادة الجماعة والممولين الأساسيين.
ربط إمام أوغلو بالجماعة: تصفية حسابات سياسية؟
تأتي هذه الحملة الأخيرة بعدما كشف الكاتب والضابط السابق في أكاديمية الشرطة أمره أوسلو، قبل نحو أسبوع من الحملة، أن أردوغان يخطط لإعلان جماعة السليمانيين تنظيمًا إرهابيًا، تمهيدًا لضرب شخصية بارزة في المعارضة: أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، الذي سبق أن صدر بحقه قرار بالحبس في قضية وصفها مراقبون بأنها سياسية بامتياز، وذلك انطلاقا من أن بعض أفراد عائلة إمام أوغلو مرتبطون بالجماعة، ما قد يُستغل كذريعة لتوريطه ضمن تحقيقات أو قضايا أمنية، وبالتالي “تصفية” أحد أبرز المنافسين المحتملين لأردوغان في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
كما سبق أن ادعى أوسلو أن أردوغان يسعى للإيقاع بين إمام أوغلو وحزبه الشعب الجمهوري وقيادته العليا، حيث سواجه الحزب، ذو التوجه العلماني الصارم، صعوبة بالغة في الدفاع عن إمام أوغلو في حال إعلان الجماعة إرهابية وربط إمام أوغلو بها.
وإذا أخذ بنظر الاعتبار أن أردوغان قال في آخر تصريحاته “إن التحقيق الذي أطلقته السلطات القضائية بتهمة الفساد المالي ضد بلدية إسطنبول وإمام أوغلو بدأ يمتد إلى بعض الجماعات الدينية وصلاتها بأجهزة الاستخبارات الأجنبية”، فإن تحليل أوسلو يكتسب أهمية ومصداقية.
جذور التوتر – دعم المعارضة ونهاية التحالف
عرفت جماعة السليمانيين التي أسسها الشيخ الراحل سليمان حلمي طوناخان، بالتركيز على فتح مدارس تحفيظ القرآن والمراكز التربوية بعيدا عن السياسة، لكن العلاقة بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية لم تكن دائمًا متوترة، بل كانت وثيقة خلال العقد الأول من حكم الحزب، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الحركات المدنية الأخرى. لكن بدءًا من عام 2019، وبعد أن قررت الجماعة دعم المعارضة في الانتخابات البلدية، خاصة رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بدأت العلاقات في التدهور.
وكانت صورة لرئيس نيابة الجمهورية في سيلفيكي – مرسين، وهو يقف خلف زعيم الجماعة، من بين الحوادث التي دفعت السلطات لفتح تحقيق رسمي، مما كشف أن الخلاف السياسي بدأ يترجم إلى إجراءات قانونية.
شبكة تعليمية-دعوية عبر القارات
جماعة السليمانيين تُعد من أكبر الحركات الإسلامية في تركيا، وتدير آلاف المدارس الداخلية والمعاهد الدينية، ولها حضور قوي في أوروبا الغربية، خصوصًا بين الجاليات التركية. تعتمد الجماعة على قيادة أسرية، بعد وفاة مؤسسها سليمان حلمي طوناخان، وتحوّلت مع الزمن إلى قوة مجتمعية ذات تأثير ديني وثقافي.
أبعاد الحملة
مصادر مطلعة تشير إلى أن هذه العملية ليست معزولة، بل قد تكون باكورة حملة أشمل تستهدف جميع الكيانات الدينية والمجتمعية التي لم تعد على وفاق مع السلطة. كلمة “الأخطبوط” في خطاب أردوغان، والتي شملت إشارات إلى الأحزاب، والبيروقراطية، والاستخبارات، والجماعات، توحي بأن الدولة تُعد لعملية تطهير واسعة داخل مفاصلها المختلفة، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية أو استفتائية محتملة.
خلفية سياسية وسياق حساس
هذه الحملة تأتي في وقت حساس، يتزامن مع تآكل الدعم السياسي لحزب العدالة والتنمية وتنامي دور الجماعات المستقلة في التأثير على الناخبين.
وقد تكون الخطوة جزءًا من محاولة لاستعادة الهيمنة على الحقل الديني والاجتماعي، ومنع هذه الكيانات من التحالف مع المعارضة أو تشكيل جبهة مستقلة تؤثر على توازنات القوى التقليدية في الدولة.
مَن ينجو من أخطبوط الدولة؟
العملية ضد الجماعة المذكورة ليست فقط ملفًا أمنيًا، بل تحمل في طياتها أبعادًا سياسية ودينية واقتصادية معقدة. فالنظام الحاكم، في محاولة لاستعادة السيطرة على ما يعتبره “العمق الديني للدولة”، يفتح جبهة جديدة من الصراع… ولكن هذه المرة داخل بيته القديم.

