أعلنت الحكومة التركية، على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان، عن توقيع صفقات دفاعية تفوق قيمتها 9 مليارات دولار خلال معرض IDEF 2025 الدولي للصناعات الدفاعية، الذي انعقد في إسطنبول هذا الشهر. ووفقًا لما نقلته وكالة الأناضول الرسمية، فإن5.85 مليار دولار من هذا الرقم تعود إلى عقود تصدير، في إشارة إلى تصاعد أهمية قطاع الدفاع كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجه البلاد.
مشاركة دولية واسعة ومنصة لاستعراض المنتجات الجديدة
استقطب معرض IDEF 2025 مشاركة 1,491 شركة و231 وفدًا رسميًا من 103 دول، كما زاره أكثر من 120,000 شخص في مركز إسطنبول للمعارض.
وأشار رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية هالوق غورغون إلى أن المعرض شهد عرض أكثر من 1,100 منتج جديد، وتم تنظيم 270 مراسم توقيع، حوالي 65% منها ترتبط بعقود تصدير.
المقاتلة الشبحية “KAAN”: أكبر صفقة تصدير محتملة مع إندونيسيا
أحد أبرز تطورات المعرض تمثّل في توقيع اتفاق مبدئي مع إندونيسيا لشراء48 طائرة KAAN الشبحية من الجيل الخامس من إنتاج شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) وإذا اكتمل تنفيذ الصفقة، فستكون أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ تركيا.
لكن الصفقة لا تزال مرهونة بعدة عوامل معقدة، أبرزها اعتماد النموذج الأولي لطائرة كاآن على محركات أمريكية من طراز General Electric F110، مما يتطلب رخصة تصدير أمريكية لإعادة التصدير إلى إندونيسيا — وهي عملية قد تواجه عراقيل سياسية أو تنظيمية.
من جانب آخر، تواجه جاكرتا تساؤلات حول قدرتها المالية على تمويل عدة برامج تسليحية متزامنة، بما يشمل مشروع KF-21 مع كوريا الجنوبية، وصفقات سابقة لشراء طائرات رافال الفرنسية وF-15EX الأمريكية، مما يدفع بعض المراقبين للاعتقاد بأن إندونيسيا تستخدم الصفقات المتوازية كوسيلة ضغط تفاوضي أو استراتيجية تحوط.
صفقة بحرية مؤكدة: فرقاطات تركية إلى إندونيسيا
على خلاف صفقة كاآن، وقّعت تركيا اتفاقًا مؤكدًا ونهائيًا مع إندونيسيا لبيع فرقاطتين من طراز MILGEM بقيمة تقدّر بـ مليار دولار، في خطوة تعزز توجه أنقرة لتوسيع صادراتها البحرية إلى جنوب شرق آسيا.
شراكات استراتيجية إقليمية وتكنولوجيا مشتركة
كشف المعرض عن تركيز تركي واضح على نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك. من أبرز الاتفاقيات تعاون بين شركة Baykar التركية وشركة Korean Air لتطوير أنظمة جوية مسيّرة من الجيل التالي، واتفاق بين شركة Katmerciler التركية وDeftech الماليزية لإنتاج مركبات تكتيكية من طراز EREN 4×4 في ماليزيا بهدف تصديرها إقليميًا وبروتوكول بين TAI وشركة MİRĀS الأذربيجانية لتحديث وصيانة الطائرات الروسية الصنع، يستهدف السوق ما بعد السوفييتي.
تقنيات جديدة: من الصواريخ الفرط صوتية إلى الذخائر الذكية
شهد المعرض الكشف عن عدد من التقنيات الجديدة في مجال التسليح:
- شركة روكيتسان (Roketsan) كشفت عن صاروخ تايفون بلوك 4، وهو أول صاروخ باليستي فرط صوتي تركي، تصل سرعته إلى Mach 5 ومداه إلى 1,000 كم.
- عرضت القنبلة الذكيةNEB HAYALET، القادرة على اختراق أكثر من سبعة أمتار من الخرسانة المسلحة، ومتوافقة مع الطائرات المعيارية لحلف الناتو.
- في المجال البحري، قدمت شركةSTM قوارب هجومية سريعة وسفن سطحية غير مأهولة من طراز MARLIN ASuW وULAQ GlobalوSANCAR، في إطار طموح تركي متزايد في الأنظمة الذاتية والقتال البحري.
استراتيجية مزدوجة: توازن بين الناتو وتقديم بدائل للأسواق المقيدة
يؤكد محللون أن تركيا تتبع استراتيجية مزدوجة: من جهة تعزيز ارتباطها بحلف الناتو، ومن جهة أخرى عرض نفسها كمورّد بديل للدول التي تواجه قيودًا سياسية أو مالية أو تنظيمية عند التعامل مع مصنّعي الأسلحة من الولايات المتحدة، أوروبا، الصين أو روسيا.
وبحسب المحلل الدفاعي فاتح يورتسفير، فإن “نموذج الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا هو مفتاح الجاذبية التركية، إذ يمنح دولًا مثل إندونيسيا وماليزيا قدرة على بناء صناعات محلية دون قيود سياسية غربية”.
تركيا في صدارة المصدرين: تطور سريع مدفوع بالحصار السابق
وفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، جاءت تركيا في المرتبة الحادية عشرة عالميًا في تصدير الأسلحة بين 2020 و2024، مع زيادة بنسبة103% في صادراتها الدفاعية.
وباتت تركيا تعتمد على الإنتاج المحلي لتلبية أكثر من80% من احتياجاتها الدفاعية — قفزة نوعية مقارنة بنسبة20% فقط في أوائل الألفية، وهو تحول تُعزى أسبابه في الأساس إلى العقوبات الغربية السابقة على أنقرة.
تحديات مستقبلية: قيود التصدير وتكاليف داخلية
رغم التصريحات المتفائلة، يحذر خبراء من تحديات عدة تهدد استدامة هذا التوسع، أبرزها القيود الأمريكية على تصدير المحركات والأسلحة المتطورة، والتعثر المالي لبعض الشركاء الأجانب، والعبء الاقتصادي الداخلي الناتج عن توسع القطاع الدفاعي بشكل سريع.
ومع ذلك، حققت تركيا رقمًا قياسيًا في صادرات الدفاع عام 2024 بقيمة7.15 مليار دولار. وإذا نجحت أنقرة في تجاوز الحواجز التنظيمية، خصوصًا فيما يتعلق بمحركات كاآن، فقد يُمثّل IDEF 2025 نقطة تحول نحو بروز تركيا كقوة مصدّرة رئيسية في السوق العالمية للأسلحة.

