بقلم: ياوز أجار
شهدت الساحة السياسية التركية في الآونة الأخيرة تحولًا لافتًا في استراتيجيات الأحزاب الرئيسية، حيث بدأ حزب “الحركة القومية” إقصاء حزب “الشعب الجمهوري” من قائمة التهاني بمناسبة العيد، ليشمل التحية حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” المؤيد للأكراد بدلاً منه. هذا التغير يعكس تحولًا في مواقف الحزب الحليف للرئيس أردوغان، مما يشير إلى تصاعد التوتر بين “الحركة القومية” و”الشعب الجمهوري”، بينما تظهر إشارات تقارب مع الحزب الكردي.
استهداف “الشعب الجمهوري” والتوجه نحو “الكردستاني“
في بيانه بمناسبة “نوروز”، هاجم زعيم حزب “الحركة القومية”، دولت بهجلي، بشكل مباشر “الشعب الجمهوري” وزعيمه، بينما أشار إلى ضرورة إنهاء النزاع مع حزب العمال الكردستاني (PKK). بهجلي دعا هذا التنظيم إلى إعلان “قرار الحل” رسميًا، مشيرًا إلى ضرورة عقد مؤتمر نهائي لـلحزب في مايو 2025 في مدينة “ملاذكرد”، وهي خطوة ذات دلالات تاريخية قوية.
تزامن هذا الخطاب مع تصريحات وزارة الدفاع التركية التي أكدت وجود ضغط حكومي لسرعة حل مشكلة العمال الكردستاني، في الوقت الذي يظهر قادة التنظيم في جبال قنديل تمسكهم بمنهج متريث، مع ضرورة ضمانات أمنية وضمان دور الزعيم المعتقل عبد الله أوجلان في هذه العملية.
خطاب التخوين والاتهامات للشعب الجمهوري
فيما يخص “الشعب الجمهوري”، وجه بهجلي اتهامات شديدة للحزب بمحاولة زعزعة استقرار البلاد من خلال ما أسماه “تحالف الفساد والإرهاب”، محذرًا من أن تحركات الحزب قد تشكل تهديدًا للأمن الداخلي. في هذا السياق، استحضر بهجلي تجربة أحداث جيزي بارك عام 2013 لمحاولة تصوير الحزب كجزء من مشروع معارض يسعى لإحداث فوضى سياسية.
التقارب بين الحزب الكردي و”الشعب الجمهوري“
في الوقت الذي يسعى فيه حزب “الحركة القومية” لإضعاف “الشعب الجمهوري”، شهدت الأيام الأخيرة تقاربًا بين الحزبين الكردي و”الشعب الجمهوري”. حيث قدم الحزب الكردي دعمًا علنيًا لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، كما شارك قادته في فعاليات تضامنية معه. كذلك قام وفد رفيع المستوى من الحزب الكردي بزيارة مقر “الشعب الجمهوري” في أنقرة، مؤكدين على وحدة الموقف بين الحزبين فيما يخص ملف الحريات والديمقراطية. أعتقد أن استمرار التضامن المحتمل بين الحزب الكردي والشعب الجمهوري والحراك الشعبي في الشوارع يقف أكبر عقبة أمام نجاح إستراتيجية الحزب الحاكم.
إعادة تشكيل التحالفات السياسية في تركيا
تشير التطورات الحالية إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية في تركيا، حيث تسعى الحكومة إلى فصل الحزب الكردي عن “الشعب الجمهوري” بعد تحالف غير معلن بينهما في العديد من الانتخابات السابقة. بالتوازي مع ذلك، تسارع الحكومة في محاولة لحل قضية العمال الكردستاني، مما يعزز موقفها السياسي داخليًا وخارجيًا.
التأثير المحتمل على السياسة الأمنية لأردوغان
لقد أصبحت سياسة مكافحة العمال الكردستاني أحد الأدوات الرئيسية لحزب العدالة والتنمية في تشويه المعارضة داخليًا، وكذلك لتبرير التدخلات العسكرية التركية في الخارج. ومع تحقيق السلام مع العمال الكردستاني وانسحابه من الساحة، قد يفقد أردوغان إحدى أقوى الأدوات السياسية التي كان يعتمد عليها.
السيناريوهات المستقبلية لسياسة تركيا الداخلية والخارجية
في حال نجاح الحكومة في التوصل إلى اتفاق سلام مع العمال الكردستاني، قد تشهد تركيا تحولًا ديمقراطيًا، حيث يمكن أن تتخفف السياسة الأمنية وتتحول البلاد نحو الديمقراطية، مما يتضمن تقليص الضغوط على المعارضة وتعزيز مبادئ دولة القانون. وقد يتسم هذا التحول أيضًا بتوافق أكبر على الساحة الدولية.
من ناحية أخرى، قد يلجأ أردوغان إلى تبني استراتيجية “خلق عدو جديد” في حال إزالة خطر العمال الكردستاني. قد يتصاعد الضغط على الأحزاب العلمانية مثل “الشعب الجمهوري”، وكذلك على منظمات المجتمع المدني، مثل اتحاد الصناعيين والتجار (TÜSİAD). وشخصيات مؤثرة من عالم السينما. قد يوصم هؤلاء كـ “تهديد للأمن القومي”، مما يعزز موجة جديدة من “الإرهاب” الداخلي. وهذا قد يفسر عدم تسرع أردوغان لوضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات مع العمال الكردستاني، حيث يريد استخدام هذه الورقة، ربما للمرة الأخيرة قبل انتهاء صلاحيتها، لخلق هذا العدو أو التهديد.
تصعيد الاستهداف السياسي والإيديولوجي
قد يلجأ أردوغان إلى تصعيد استهداف الأحزاب العلمانية والنخب الاقتصادية من خلال ربط “الشعب الجمهوري” بالإرهاب، وكذلك بتوجيه الاتهامات إلى المعسكر الغربي. في هذا السياق، يمكن أن يسعى إلى تقوية نفوذه الداخلي والخارجي عبر تصعيد الخطابات الإسلامية، والتأثير على الجاليات الإسلامية في الدول الغربية.
إلهام هتلر وتطبيق الاستراتيجية السياسية
في هذا الإطار، يفضح الكتاب المؤيدون للحكومة استراتيجية أردوغان الجديدة، حيث يعترف بعضهم أنهم يستلهمون هذه الاستراتيجية من هتلر. ففي مقال نشر يوم الثلاثاء، أشار الكاتب إحسان أجيق إلى اقتباس من هتلر في علم السياسة، قائلًا: “قد تمتلكون أهم الإنجازات والأفكار في العالم، لكن هذه الأفكار لن تكون لها قيمة إذا لم يكن لديكم الأكاديميون، والمفكرون، والنساء والشباب الذين يحملون هذه الأفكار”.
التحول الأكاديمي والثقافي: تحديات وفرص
وفقا لهذا الكاتب، يواجه حزب العدالة والتنمية تحديات كبيرة في نقل ثوراته إلى الأجيال الشابة والنساء، بينما تكمن المشكلة الأساسية في التراجع الأكاديمي والثقافي لثورات أردوغان. الهيمنة الغربية والعلمانية التي يسيطر عليها حزب الشعب الجمهوري تمنع الأكاديميين المحافظين من المشاركة في تلك الثورات، مما يؤدي إلى ضياع الفرص في الميدان الأكاديمي والفكري.
يتابع الكاتب بقوله: “يعاني حزب العدالة والتنمية من صعوبة في نقل ثوراته إلى النساء والشباب. لكن المشكلة الأساسية تكمن في تراجع الثورة في الجانب الأكاديمي والثقافي. دور الإمبريالية الغربية وحزب الشعب الجمهوري في الهيمنة على الأوساط الأكاديمية والثقافية يمنع الأكاديميين المحافظين من المشاركة في ثورات الرئيس أردوغان. الهيمنة الغربية، والعلمانية، والكتلة المحسوبة على حزب الشعب الجمهوري في الأكاديميا، أسرت أفكارنا دون أن تنتج أي قيمة علمية أو فلسفية. لقد نجح السيد الرئيس، كثوري كبير، في بناء تركيا الكبرى متجاوزًا كافة الحصارات. وعندما تقرأ المقالات التي كُتبت في الغرب خلال الشهر الماضي، فإنك ستفهم تمامًا مكانة تركيا. لقد حان وقت القرار: إما أن نرفع هذه الراية بالتوافق مع النخبة (الإسلاميين)، أو نترك وراءنا أولئك (العلمانيين) الذين يستلهمون من الغرب، ونواصل مسيرتنا الحضارية المستقلة.. حان وقت تجديد الإيمان!”، على حد تعبيره.

