كشفت آلية الاستجابة السريعة لحرية الإعلام، في تقريرها الأخير عن النصف الأول من عام 2025، أن تركيا جاءت في المرتبة الثالثة بين دول الاتحاد الأوروبي المرشحة للانضمام من حيث انتهاكات حرية الصحافة، مسجلة 64 واقعة استهدفت ما لا يقل عن 157 صحفيًا ووسيلة إعلامية.
النتائج تعكس استمرار التدهور الحاد في المشهد الإعلامي التركي، حيث تتصدر مؤسسات الدولة والسلطات الأمنية والقضائية قائمة الأطراف المسؤولة عن هذه الانتهاكات.
القضاء والأمن في صدارة الانتهاكات
أظهر التقرير أن المحاكم والنيابة العامة مسؤولة عما يقارب نصف الانتهاكات المسجلة، بينما شكّلت الشرطة والأجهزة الأمنية نحو الثلث. أكثر من نصف هذه الانتهاكات ارتبطت بالاعتقال والاحتجاز وأحكام السجن. وبحسب البيانات، يقبع 17 صحفيًا خلف القضبان في تركيا حتى يوليو، فيما أُدين 15 آخرون بعقوبات تراوحت بين السجن والأحكام المعلقة.
التهم الأكثر شيوعًا ضد الصحفيين شملت “إهانة الرئيس”، و”الانتماء إلى منظمة إرهابية”، و”نشر دعاية إرهابية”، إضافة إلى “انتهاك قانون الاجتماعات والمظاهرات“.
حملة متصاعدة بعد اعتقال إمام أوغلو
التقرير ربط جزءًا من التصعيد ضد الصحافة بالأحداث التي أعقبت اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في 19 آذار/مارس، بتهم الفساد والإرهاب، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعًا واعتُبرت مسيسة تستهدف أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان.
هذا الاعتقال فجّر موجة احتجاجات عارمة في مختلف المدن التركية، ردت عليها السلطات بحملة قمع واسعة شملت المتظاهرين ووسائل الإعلام. ووثقت الآلية الأوروبية 19 انتهاكًا مباشرًا ضد صحفيين كانوا يغطون الأحداث، معظمها اعتقالات واحتجازات وعنف ميداني على يد الشرطة. كما سُجلت ثماني حالات عنف جسدي طالت 22 من العاملين في الإعلام.
في 21 آذار/مارس، اعتدت قوات الأمن في منطقة سراي خانة بإسطنبول على تسعة صحفيين على الأقل، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ورذاذ الفلفل رغم إبرازهم بطاقاتهم الصحفية. وفي 23 آذار/مارس تكررت الاعتداءات، وأصيب عدد من الصحفيين بينهم مراسلتان لصحيفة “بيرغون” تعرضتا للضرب والرش والفلفل وإطلاق الرصاص المطاطي.
القيود على الفضاء الرقمي والإعلام المرئي
الحملة الحكومية لم تقتصر على الميدان، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني. فقد فرضت السلطات قيودًا على جميع منصات التواصل الاجتماعي تحسبًا لتصاعد الغضب الشعبي عقب اعتقال إمام أوغلو.
كما واصل المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون (RTÜK) فرض عقوبات مشددة على وسائل الإعلام الناقدة، بفرض غرامات باهظة والتلويح بسحب تراخيص البث. وفي اليوم نفسه من اعتقال إمام أوغلو، هدد رئيس المجلس القنوات التلفزيونية التي لا تلتزم حصريًا بالبيانات الرسمية للحكومة، ومنع تغطية الدعوات الشعبية للاحتجاج.
سياق أوسع لانحدار حرية الصحافة
الآلية الأوروبية، التي تأسست عام 2020 بتمويل مشترك مع المفوضية الأوروبية، أكدت أن حجم ونطاق الانتهاكات في تركيا يعكس انحدارًا متسارعًا في حرية الصحافة، مع اضطلاع مؤسسات الدولة بدور مركزي في تقييد العمل الإعلامي المستقل.
تركيا، التي تُعرف بأنها واحدة من أكبر “سجّاني الصحفيين” في العالم، جاءت في المرتبة 159 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”. هذه المرتبة المتأخرة تضعها في خانة الدول التي تعاني من قمع بنيوي متواصل، ما يعمّق أزمة الديمقراطية والحقوق الأساسية.

