قدم الفريق توفيق ألغان، رئيس أركان القوات البرية التركية، استقالته بعد نقله إلى منصب جديد عقب تصويته ضد قرار طرد خمسة ملازمين أدّوا قسمًا علمانيًا في حفل تخرجهم خلال شهر أغسطس، وفق ما أوردته وسائل الإعلام التركية.
جدل حول قرار الطرد وانعكاساته
أثار قرار طرد الضباط جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والعسكرية، إذ تباينت الآراء بين من اعتبره تعزيزًا للانضباط العسكري، وبين من رأى فيه استهدافًا للضباط المتمسكين بإرث مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية.
وجاءت العقوبة بحق الضباط بعد أن أدّوا قسمًا عسكريًا كان معمولًا به سابقًا لكنه أُلغي عام 2022، متعهدين فيه بالدفاع عن المبادئ العلمانية والديمقراطية لتركيا. وانتشرت مقاطع مصورة للحفل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهر الخريجون وهم يرفعون سيوفهم أثناء ترديد القسم بصوت واحد، مما فجّر عاصفة من الجدل السياسي.
وفي حين أكدت وزارة الدفاع التركية أن العقوبة لا تتعلق بمحتوى القسم بحد ذاته، بل بكونه فعلًا جماعيًا منظمًا يخلّ بالانضباط العسكري، رأى معارضو القرار أن طرد هؤلاء الضباط يمثل قمعًا لحرية التعبير داخل المؤسسة العسكرية.
استقالة ألغان ودلالاتها
ترأس توفيق ألغان، بصفته رئيسًا لمجلس التأديب العسكري الأعلى، الجلسة التي أصدرت قرار الطرد، لكنه صوّت ضد القرار، معتبرًا العقوبة غير مبررة. وبحسب مصادر عسكرية، فإن قرار إبعاده عن منصبه قد يكون مرتبطًا بموقفه هذا، حيث تم نقله مؤقتًا إلى قيادة الجيش الثالث، في خطوة فُسّرت على أنها إجراء عقابي.
إلا أن ألغان، بدلًا من قبول النقل، قدّم طلب تقاعده يوم 19 فبراير، وهو ما وافقت عليه الوزارة بسرعة. وفي بيانها الرسمي، وصفت الوزارة التقاعد بأنه “إجراء روتيني”، مشيرة إلى أن تقديم طلبات التقاعد يتم وفق اللوائح خلال شهري يناير وفبراير أو يوليو وأغسطس.
لكن مراقبين اعتبروا استقالة ألغان رسالة احتجاج صامتة ضد ما اعتبره عقوبةً مشددة بحق الضباط الخمسة.
خلفية ألغان وردود الفعل السياسية
وُلد توفيق ألغان في قونية عام 1963، وتخرّج في الأكاديمية العسكرية التركية عام 1984. تدرّج في المناصب القيادية، فشغل قيادة الفيلق التاسع، وكان نائب رئيس الاستخبارات في هيئة الأركان العامة، ثم رُقي إلى رتبة فريق عام 2024.
قرار طرد الضباط أثار انتقادات واسعة من قِبل المعارضة التركية. فقد وصف أوزغور أوزل، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، القرار بأنه “وصمة عار”، واتهم الحكومة بتسييس المؤسسة العسكرية. من جانبه، اعتبر أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، أن الطرد يمثل “إهانة لتاريخ الجيش التركي”، فيما رأى كمال كليجدار أوغلو، الزعيم السابق للحزب، أن القرار استهدف “الملايين الذين يؤمنون بالجمهورية.”
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد أيّد القرار، ووصف تصرّف الملازمين بأنه “إخلال بالنظام العسكري”، مشددًا على أن المؤسسة العسكرية “لن تتسامح مع أي تصرفات غير منضبطة”.
صراع الهوية داخل الجيش التركي؟
يرى مراقبون أن هذه الحادثة تعكس صراعًا أوسع داخل الجيش التركي بين توجهين: الأول يسعى للحفاظ على تقاليد الجمهورية الكمالية، والثاني يعكس سياسات الحكومة الحالية التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى فرض رقابة صارمة على المؤسسة العسكرية، خاصة بعد محاولة الانقلاب عام 2016.
وفي ظل هذا التوتر، تبقى استقالة ألغان خطوة لافتة تطرح تساؤلات حول مدى استقلالية الجيش التركي وقدرته على البقاء بمنأى عن التجاذبات السياسية.

